شوارع مانهاتن في قلب نيويورك يلقبونها بمركز العالم، وعمدتها يسمونه عمدة العالم، ففيها ترى العالم يمشي على قدميه، وهي مدينة لا تبخل على أحد بمتعة يحلم بها، بشرط أن يكون قادراً على دفع ثمنها، وهي لا ترحم الضعفاء والفاشلين لأن قلبها لا يعرف الشفقة.

وفي أحد أكبر ميادينها خلف مبنى "آبل" إحدى كبريات شركات العالم للكمبيوتر، وعلى اليمين "سنترال بارك" أهم وأشهر حديقة في العالم وأمامي "بلازا هوتيل" أعرق فنادق العالم، والمارة من كل أجناس الأرض يعبرون الطريق جيئة وذهاباً.

على طرف الميدان يأتي شاب ملامحه مزيج من العربية والأسبانية، ويحمل على كتفه حقيبة كبيرة بداخلها آلة موسيقية، حياني وابتسم، بادلته التحية بالاسبانية التي اعرف بعضاً من كلماتها، فابتسم وسألني هل أنت اسباني قلت لا أنا عربي. فتح حقيبته وأخرج آلة الدرام وشرع في تركيبها وأنا مندهش هل سيعرضها للبيع أم سيعزف بمفرده؟

لم تطل حيرتي حين أتى صديقه الآخر حاملاً حقيبة مختلفة، سألتهما هل ستعزفان الآن وأين؟ قال الأول نحن ننتظر باقي أفراد الفرقة، وسنعزف في هذا الميدان، فحمدت الله أنني أحمل معي كاميرا، وبعدها توالى قدوم باقي أعضاء الفرقة، وبعد تجهيز الآلات للعزف وضبط أوتارها استأذنتهم في حديث سريع قبل البدء.

الماء الصافي

عازف الجيتار ورئيس فرقة أغوا كلارا اسمه أنجل مارين واسم الفرقة اسباني ومعناه بالعربية الماء الصافي وعمرها 16عاماً، أفرادها كلهم من أميركا الجنوبية عازف الجيتار الكهربائي أميركي من الولايات المتحدة واسمه كيرك، وقد كان ماراً يوماً في الشارع عائداً من تسجيل ومعه آلته الموسيقية ووقف يستمع إلينا ثم استأذن ليشاركنا العزف.

وكان الميدان مزدحماً بالجماهير، وقدمناه للناس ونال استحسانهم واستحساننا ومنذ ثلاث سنوات وهو معنا. لقد عانينا كثيراً في البداية وكانت الشرطة تطاردنا وتستولي علي آلاتنا لأننا لم نكن نحمل تصريحاً بالعزف في الشوارع من سلطات المدينة، أما الآن فنحن نحمل تصريحاً نقوم بتجديده سنوياً.

وعندما كان الاقتصاد جيداً كنا نحقق إيرادات كبيرة وكنا نذهب الى بيوتنا سعداء، وعندما كنا نحصي الإيراد آخر النهار كنا نفاجأ بأوراق من فئة المائة دولار أما الآن فلم يعد لها وجود في حصيلة أي يوم. وأجمل لحظة عشناها ونحن نعزف "تايم اسكوير" في أشهر ميادين نيويورك، وفجأة توقف أوتوبيس وهبط منه أعضاء أهم فرقة في العالم و.

هي يو تو "U2 " الشهيرة وقاموا بالغناء والعزف معنا، أما عن أحلامنا فهي أن نظل قادرين على العزف حتى الموت ، فسعادتنا عندما نرى الناس من حولنا سعداء ويغنون معنا ونحن نعزف ويرقصون ويقبلون على شراء ألبوماتنا الموسيقية ونسعد أيضاً عندما نحسب حصيلة إيراد اليوم فندرك أننا قادرون على دفع إيجار منازلنا، والمطر هو عدونا الأول لأنه يجبرنا على الجلوس في بيوتنا،.

وأمنيتنا أن نقوم بالعزف في كل الدول العربية وخاصة مصر ومشاهدة الأهرامات. استأذنني ليشارك رفاقه العزف. بينما واصلت أنا سيري في شوارع نيويورك أتأمل الوجوه والمباني الشاهقة، ففي كل ركن حكاية وكل خطوة حلم، وأغانٍ لم يسمعها أحد، وصدى كلماتهم يتردد في أذني "هجرنا بلادنا ووحدتنا شوارع نيويورك، سنعود لمنازلنا سعداء بعد يوم موسيقي آمن طعامنا.

وجدنا أناساً خاصمتهم الفرحة وهربت "بعيد" بعد أن سرقت الشوارع أماني العمر وليلة العيد، وهناك ناس فوق فوق، وناس سابع أرض، وناس عايشين بالطول والعرض، ناس حياتهم هيلا هوبا وسامبا على رومبا وناس من الدنيا تاخد زومبا".

البحث عن الحلم

عازف الدرامز ديفيد من الإكوادور قال: "أتيت إلى أميركا منذ عشر سنوات بحثا عن الحلم والمستقبل، نعم عانيت في البداية كثيراً وعملت في مهن مختلفة، لأوفر قوت يومي وأدخر منه لدراسة المزيد في الموسيقى التي درستها في وطني وبعدها بإسبانيا، وتعرفت على بعض أفراد الفرق الموسيقية وشاركت بالعزف معهم، ومن ثم انطلقت، والآن أقوم بتدريس الموسيقى ومشاركة بعض المغنين والفرق، لكن يبقى للعزف في الشوارع والميادين طعم آخر، وعن الفرقة الحالية فأنا معهم منذ عامين».