ظاهرة خطف الأطفال باتت جريمة متفاقمة عبر العالم بلا رادع، ويُرجع الخبراء في علمي الاجتماع والنفس أسباب انتشارها لغياب الوازع الديني والانفلات الأمني وتدني الأخلاق، وحالة الفقر، بالإضافة إلى عدم وجود قوانين صارمة.

والظاهرة في ارتفاع مستمر بسبب تزايد أسبابها واختلاف أنماطها من مكان إلى آخر. وقد ظهرت عصابات متخصصة في اختطاف الأطفال بل تكاد تصبح جريمة منظمة عبر الحدود، ما يُعد خرقاً صارخاً لحقوق الطفل المتعارف عليها، أي حقه في الحياة، علماً بأن الخطف لدى البعض بغية الاتجار ببيع أعضاء الصغار بعد خطفهم وقتلهم. وهناك من يسعى لتشغيلهم تحت السن القانونية، وتتحدث الأرقام عن وجود ما يقرب من 50 مليوناً منهم في العالم يرزحون تحت وطأة المشكلة، حيث تتنوع غاياتها بين الخطف والتشغيل وبيع الأعضاء والاعتداء الجنسي والتعذيب البدني.

الرباط

 الدجل أحد مكونات الظاهرة في المغرب

 فجرت فضيحة اختطاف وسرقة رضع مغاربة وبيعهم إلى أسر إسبانية من أجل التبني، ومن ثم تغيير أسمائهم ودياناتهم، وبدء التحقيق من قبل قاضٍ إسباني في محكمة مدريد مع الراهبة الإسبانية المتزعمة للشبكة، جدلاً واسعاً في المغرب بين أوساط الحقوقيين وفعاليات المجتمع المدني ، اضطرت معها السلطات للدخول على خط القضية والشروع في تحقيقاتها لإماطة اللثام عن مدى تورط مواطنين مغاربة فيها.

وهناك ظاهرة اختطاف الأطفال لاستخدامهم في التنقيب عن الكنوز الموجودة بالمناطق النائية والجبال جنوب المملكة على وجه التحديد من طرف مشعوذين ودجالين، وباتت مشكلة مقلقة تثير غضب الأهالي.

حيث ذهب ضحيتها أطفال صغار ذنبهم الوحيد أنهم ولدوا «زوهريين» أي «محظوظون» وتعني وجودَ علامة في مقلة العين أو في كف اليد كما هو الشائع بالمغرب، ما خلف استياء عارماً وسط أسر الضحايا وإدانة من قبل الحقوقيين وجمعيات المجتمع المدني التي تعنى بحماية الطفولة.

اختفاء زوهريين

ويأتي تنامي الظاهرة على خلفية تسجيل حالات اختفاء لأطفال "زوهريين" رصدها برنامج تلفزيوني، جسد معاناة أسرهم اليومية نتيجة الاختفاء.

وندد المحامي عادل السالمي باختطاف الأطفال الذين يدعون بــ"الزهريين" كما هو الدارج عند المغاربة، مؤكداً أنها جريمة يعاقب عليها قانون المملكة بكل أشكاله من تعنيف وأذى وقتل للتخلص من الطفل الذي يساعد هؤلاء المجرمين من مشعوذين وسحرة ودجالين على استخراج كنوز من "سراب" لا توجد إلا في مخيلاتهم.

وأضاف أن مثل تلك الممارسات غير القانونية في حق الصغار يعتبر اعتداء وانتهاكاً صارخاً على براءة الطفولة من طرف عصابات إجرامية منظمة، يمس بحق فلذات أكبادنا في الحياة الطبيعية، كما هو مكفول بالدستور وما هو وارد بالاتفاقات الدولية المصادق عليها من طرف المغرب.

تنامي الظاهرة

وعن تداعيات الظاهرة سوسيولوجيا، ثمنت الباحثة في علم الاجتماع كريمة الودغيري مبادرة البرنامج التلفزيوني بالقناة الثانية الذي رصد قضية اختطاف الأطفال، مشيرة إلى أن تنامي الظاهرة يجعل تدني مستوى الوعي المجتمعي لدى الكثير من الناس في قفص الاتهام، ناهيك عن الإيمان بمعتقدات وأفكار تتحكم فيها الشعوذة والخرافة.

وهي بعيدة كل البعد عن المنطق وعن كل ما هو علمي وديني. وأضافت الودغيري: على الأسر المغربية التحرر من أسطورة الإيمان بالمعتقد الخرافي وأن لا مكان لزرع ثقافة "زوهريين" في عقليات الأطفال لأنه لا أساس لها من الصحة، داعية إلى أخذ الحيطة والحذر من الانزلاق في مثل تلك المتاهات الوهمية بحثاً عن سراب الاغتناء، على حد تعبيرها.

انحسار الأمن والقيم ساهم في تفشي الظاهرة بمصر

 «أسوأ أيام عمري يوم اختطاف ابنتي الصغيرة مريم من أمام الحضانة»، هكذا وصفت أم عادل "ربة منزل" حالتها، وقالت خدعت سيدة منتقبة ابني الأكبر الذي ذهب مع أخته إلى الحضانة، طالبةً منه أن يشتري لها شيئاً في حين تظل هي مع أخته حتى يعود إليها، وتحمد أم عادل الله على عودة ابنتها سالمة، حيث استولت السيدة على ما كانت ترتديه من ذهب، وتركتها في مكان بعيد، إلا أنهم وصلوا إليها.

وتعود الأم لتؤكد أن الحادثة تركت أثراً سيئاً على ابنتها، حيث أصبحت خائفة طوال الوقت خاصة من الخروج مع أخيها الذي ترى أنه السبب في ضياعها.

وترى أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة الأزهر في القاهرة دكتورة سامية الجندي أن ظاهرة خطف الأطفال أصبحت أمراً مقلقاً لكثير من الأسر المصرية بشكل يدفعهم إلى تضييق الحرية على أبنائهم، وأصبحت خطواتهم بحساب؛ خوفاً من تعرضهم للخطف، وشددت على أهمية اتخاذ الدولة موقفاً جاداً حيال الظاهرة وايجاد قوانين صارمة تردع مرتكبي الجريمة.

وقالت لست مع الذين يحملون الأسر وحدها مسؤولة انتشار الظاهرة نتيجة انشغالها عن الأبناء، فمعظم حوادث الخطف باتت تحدث في وضح النهار، والسبب الرئيسي لانتشار الظاهرة غياب الأمن، والتغيير الكبير في القيم والعادات، وأصبحت أسهل طريقة لجلب المال سرقة الأطفال.

وعليه فعودة الأمن والتعامل بصرامة مع مرتكبي الجرائم وسن القوانين الرادعة التي تعاقب كل من حاول استغلال الطفل في أعمال غير مشروعة أمور مهمة لكن الأهم عودة أخلاقيات وقيم المجتمع.

القلق والعزلة

ولفتت أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس دكتورة نهلة ناجي إلى أن ظاهرة الخطف قديمة في المجتمع، لكنها زادت بشكل لافت بعد الثورة؛ نتيجة الانفلات الأمني، والتأثير النفسي على الطفل إثر تعرضه لمثل هذه الحوادث يختلف من واحد للآخر وفق عدة عوامل من بينها العمر، الذي يحدد الإدراك والوعي بخطورة الموقف الذي يمر به.

وأسلوب الخطف يلعب دوراً مهماً في التأثير عليه نفسياً، وبعض عمليات الخطف تتم بأسلوب عدواني كأن يضرب الطفل أو يرى والدته تبكي وتصرخ لحظة اختطافه ومحاولة الخاطفين الهروب به، وطريقة التعامل بعد ذلك كتعرضه للاعتداء الجسدي والجنسي أو حبسه في غرفة مظلمة.

وهي عوامل تؤثر سلبياً على نفسيته بعد عودته إلى أهله، حيث تبدأ الأعراض في الظهور عليه من بينها شعوره بالخوف الدائم لحظة الخروج من البيت، وعدم رغبته في ترك والدته، ويتعلق بها أكثر، ويرفض النوم بمفرده ويفضل العزلة، وعند مشاهدته لأي مشاهد عنف حتى وإن كانت على شاشة التلفزيون يستعيد كل المشاعر السلبية التي مر بها عند اختطافه.

وفي حال ظهور تلك الأعراض يجب عرضه على طبيب نفسي ليتم تأهيله نفسيا ًوذلك يحتاج وقتاً حتى يطرد القلق الزائد والتوتر والعزلة، ويعود إلى ممارسة حياته بشكل طبيعي.

غياب الرادع

وأكدت الداعية الإسلامية والمحامية دكتورة ملكة زرار أن ظاهرة خطف الأطفال ليست جديدة، بل هي إحدى مواريث المجتمعات الجاهلية قبل الإسلام، حيث كان يتم خطف الأطفال وبيعهم رقيقاً في أماكن مختلفة وانتشارها الآن سببه غياب الرادع في القوانين الوضعية عربية أو أجنبية.

والخطف اليوم لم يعد مقصوراً على بيعه بل لاستغلال جسده في التجارب العلمية، وكأنه من فئران التجارب. وهي جريمة سهلة لمرتكبيها في ظل غياب عقوبة تتناسب وعظم الجريمة رغم شدتها وآثارها السلبية.

والجريمة تدل على اعوجاج سلوك فاعلها، وعليه يجب تكاتف جهود الدولة لمواجهة الجرائم حتى لا تنتشر كالنار في الهشيم، إذ لابد من العمل على إعادة الأمن والأمان خاصة، لأنه في ظل الاضطرابات السياسية والأمنية يكون سهلاً تضاعفها.

واستنكرت زرار قيام البعض بتبرير فعلها لتدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية ما يدفع البعض لممارستها سعياً للحصول على المال، وهي جريمة لا تُبرر كالسرقة، لأنها تتعلق بالإنسان الذي كرمه الله، وقال الرسول الكريم "حرمة الإنسان أعظم من حرمة الكعبة المشرفة".

 المنامة

رعاية الناشئة مسؤولية مشتركة بيـــــن الأسرة والدولة

 

الاعتدال والوسطية في تربية الطفل وعدم اللجوء إلى العنف والضرب الذي قد يسبب إعاقة دائمة مع اتباع أسلوب تقديم النصيحة وجعل الأبن صديقاً للأب والأم حتى تكون هناك ثقة متبادلة بين الطرفين، كل ذلك يتيح له فرصة كشف ما يتعرض له من اعتداء سواءً كان جسدياً أو حتى جنسياً ليبدأ التحرك، سعياً للوصول إلى حل قبل تفاقم المشكلة.

ذلك ما ذكره مدير مركز معلومات المرأة والطفل التابع لجمعية رعاية الطفل والأمومة في البحرين الدكتور سامي عبدالله دانش، وأشار إلى أنه وقبل الحديث عن العنف الذي يتعرض له الطفل، لابد من معرفة أماكن تواجده حتى يتم التفكير في تعرضه للعنف والاعتداء سواءً من طرف أطفال أكبر منه في المدرسة أو غيرهم.

وعدم العلاج يُخلّف آثاراً سلبية قد تجعل الطفل يكره الدراسة، وهنا يأتي دور الأسرة بالتعاون مع إدارة المدرسة في البحث عن الأسباب وعدم دفن الرأس في التراب تحت أية ذرائع ولابد من مواجهة المشكلة ومحاولة إيجاد الحلول المناسبة.

أهمية الوعي

وشدد على أهمية نشر الوعي بخطورة العنف من خلال وسائل الإعلام المختلفة وإقامة الدورات التدريبية للجهات والأفراد ذات العلاقة، وكذلك العمل على إنشاء شبكة لتأمين انسياب المعلومات والتعاون بين جميع المراكز والمؤسسات والأفراد والجهات الرسمية والمدنية ذات الصلة.

فضلاً عن وجود خطوط ساخنة لتلقي البلاغات التي تخص الطفل، كما يمكن عن طريق الدورات والمؤتمرات وورش العمل تثقيف الأمهات ورفع مستوى الوعي لديهن في التعامل مع الطفل قبل أن يتعرض لأي عنف من أي جهة كانت.

وللطفل الكثير من الحقوق التي كفلتها القوانين والاتفاقيات الدولية، إلا ان المشكلة تكمن في الآليات التي يمكن عن طريق تطبيقها وتفعيلها الحماية من جميع أشكال العنف، ومن الأسباب التي تحول دون حصول الطفل على حقوقه، تدخل الموروثات الاجتماعية بالتكتم بينما المطلوب معالجة القضايا وعدم تجاهلها، مهما كانت صغيرة حتى لا تكبر ويصعب حلها.

أهمية الرعاية

ورعاية الأطفال والناشئة، مسؤولية تقع على عاتق أطراف عدة منها الأسرة والمؤسسات التعليمية ومؤسسات الدولة المختلفة المناط بها رعايتهم والاهتمام بهم، ولابد من وجود اتصال مع المدرسة لمتابعة الطفل والجهات التي ينتمي إليها ويذهب لها حتى يمكن ملاحظته ومراقبته قبل أن يتعرض لأي نوع من أنواع العنف أو الاضطهاد.

وعن الحلول والمقترحات التي يمكن اتباعها قبل تعرض الطفل لأي شكل من أشكال العنف قال الدكتور دانش: يجب الاهتمام بالصغار مع بدء الوعي لديهم ووضع برامج هادفة في المنزل ليتعلم منها وإيجاد ورش عمل تثقيفية، وبث روح الثقة بين الأسرة والطفل حتى يتحدث عن أي موقف يتعرض له، وعلى الدولة إدراك مسؤوليتها في تطبيق القوانين والاتفاقيات التي تكفل حقوق الطفل.

صنعاء

أعمال فردية تحولت إلى جريمة منظمة في اليمن

 اختطاف الأطفال في اليمن تحول من مشكلة أسرية واجتماعية إلى إشكالية اقتصادية ومادية ومن ثم أخلاقية وقيمية ارتبط بالتحولات التي عاشها وتعيشها البلاد منذ منتصف التسعينييات وحتى الآن، وهي اختلالات اقتصادية عميقة وواسعة أثرت على الأوضاع المعيشية والعلاقات الاجتماعية وحولت خطف الأطفال من أعمال فردية أو جريمة محدودة إلى جريمة منظمة تقوم بها عصابات عابرة للوطنية.

عصابات منظمة

والأجهزة الأمنية ألقت مؤخراً القبض على عصابات تقوم بخطف الأطفال وتهريبهم إلى الخارج، وأحبطت عمليات متعددة للخطف والتهريب وشرعت بمحاكمة بعض أفراد العصابات المقبوض عليهم، ما يعني أن القضية تحولت إلى عمل منظم تقوده عصابات متمرسة لها علاقة وثيقة بما تعيشه اليمن من اختلالات اقتصادية وانفلات أمني وصراعات سياسية.

ويقول الدكتور أحمد البتول: عمليات الخطف كانت تتم بهدف ضغط الأزواج على بعضهم البعض، ومحصورة في نطاق محدود، ومع تزايد المصاعب الاقتصادية، منذ البدء بسياسة التكييف الهيكلي عام 1995 م.

برفع الدعم عن المواد الاستهلاكية الأساسية كالقمح والدقيق والأرز والأدوية اتسعت رقعة الفقر وتفاقمت البطالة، خاصة بعد عودة ما يقارب من مليون مغترب من دول الجوار إلى الوطن، وأثرت على العلاقات الاجتماعية وعدم قدرة أغلب الأزواج على الوفاء بالتزاماتهم فساءت أوضاع الأسر وتدهورت الروابط الاجتماعية بشكل ملحوظ وخاصة على الأطفال وتحولت المشكلة إلى ظاهرة مستفحلة.

حقوق الطفل

ومؤخراً أضحت عملية الخطف تطرح كواحدة من المشاكل التي تنتهك حقوق الطفل وتعرض حياته للخطر، فأصبحت على نطاق واسع بهدف الاتجار وجني الأموال عن طريق التهريب، مادفع العديد من الهيئات والمنظمات والمؤسسات الوطنية والأممية للتصدي للمشكلة وآخرها مبادرة اليونسيف بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بتصديها لدراسة المشكلة وبحثها وانتهت بالإعلان عن نتائج دراستها التي أشارت لتزايد عمليات الخطف بغرض التهريب والاتجار في الخارج، ولفت التقرير إلى أن 95.3 % من تهريب الأطفال تتم من دون رغبة الأطفال أنفسهم.

ورغم تحديد القانون اليمني لسن الطفولة دون الثامنة عشرة، إلا أن اليونسيف اختارت أن تجري دراستها على من هم دون 15 عاماً، عملاً بالتطبيقات الحالية للقانون العالمي. وتهريب الأطفال يتركز في محافظتين هما حجة والمحويت، وفيهما تتركز نسبة الفقر حسب تقرير ميزانية مسح الأسرة.

أسباب مختلفة

ويعدد الاختصاصي الاجتماعي والنفسي علي اليحيري أسباباً وعوامل أخرى ساهمت في الاختلالات الاقتصادية والمعيشية ومن ثم ارتفاع وتوسع الظاهرة، ومنها استمرار الحراك الاحتجاجي في الجنوب، وخطف السياح الأجانب، والتمرد الحوثي في الشمال، وجميعها زادت من هيمنة الكساد الاقتصادي على البلاد وتراجع فرص العمل وجمود قطاعات الأعمال المختلفة.

وارتفاع نسبة الفقر إلى 50 % بين السكان، وكل ذلك انعش الأعمال والأنشطة غير المشروعة ومنها خطف الأطفال بهدف جلب منافع اقتصادية مادية وليس مجرد ضغوط اجتماعية وأسرية. والتقارير تشير إلى أن عمليات الخطف والتهريب تعرض الطفل للعنف الجسدي والنفسي والجنسي وتخلق لديه اضطرابات نفسية تذكي النقمة ما يهدد استقرار المجتمع وأمنه.