تختلف الأمور كلياً أو جزئياً، في العراق عما هو موجود في الدول العربية الأخرى، التي شهدت وتشهد، انفلاتا أمنيا، بسبب التغييرات الحاصلة، لأن التغيير جرى من خلال غزو واحتلال، إلا أن هذا لم يمنع التضارب السياسي العسكري، لأن الحكومات التي جاءت بعد الغزو، لم يكن لرموزها رصيد يذكر في الداخل، ما أدى إلى تفاوت في الرؤية بين عراقيي الداخل والخارج، وتحديدا من تولوا المسؤوليات، في ظل الاحتلال، أو وفق "العملية السياسية"، التي وضعها الاحتلال، على أساس التقسيم الطائفي والعرقي، وأصبحت "الرمز" للحكومات المتعاقبة، بما يشبه إلى حد بعيد ما كان يطلق عليه في النظام السابق "الإيمان بمبادئ الحزب والثورة"، ومن لا يؤمن بـذلك يعد من أعداء العراق.

وهناك من يرى أن من يؤمنون بها مرتبطون بالمحتل والقوى الخارجية، وهناك من يرى أن الذين لا يؤمنون بها إرهابيون من مؤيدي النظام السابق أوالقاعدة. وراسمو السياسة العراقية بالخارج، لم يجدوا حلاً للمعضلة إلا عبر إشعال الحرب الأهلية الطائفية، والحكومة والميلشيات باتا طرفاً أساسياً فيها.

وأسهم في إيقاد الحرب الأهلية قرار حل الجيش والقوى الأمنية، وفتح مخازن السلاح للنهب، حتى بات سعر الطن من مادة الـ "تي أن تي" شديدة الانفجار، أقل من 25 دولاراً، بينما تباع مختلف أنواع الأسلحة في الشوارع بأسعار بخسة جدا.

وقرر الاحتلال الرحيل، مع إبقاء العملية السياسية، وطرح مشروع المصالحة الوطنية، التي استبعدت "من لا يؤمن بالعملية السياسية"، حيث لا مكان له في "المصالحة". ويؤكد المراقبون أنها يفترض أن تكون بين أطراف متنازعة، وربما مرت بمرحلة قتال دموي شرس، كالمصالحة بين حزبي الطالباني والبارزاني.

ويشير المراقبون السياسيون بدهشة، الآن، إلى مصطلح عدم المصالحة مع "من تتلطخ أيديهم بدماء العراقيين"، والذي أضاف إليه رئيس الوزراء نوري المالكي "الأميركان"!!، متسائلين عن مغزى ذلك. وليس ذلك "مربط الفرس"، بالنسبة إلى مصطلح "تلطخت أيديهم"، والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه هو: ألم تتلطخ أيدي أحزاب الحكومة، كلها، وميليشياتها، بدماء العراقيين؟! أم أن أكثر من مليون شخص تمت تصفيتهم ببشاعة، بتهمة معارضة أو معاداة "العملية السياسية" والاحتلال، هم من الدخلاء الذين قدموا من كوكب آخر؟!

وليس من المعقول أن تقول أية جهة إنها حملت السلاح ضد النظام السابق، إنما كان هدفها "صيد الطيور"!، بل هو القتل، قتل عراقيين، وهذه هي طبيعة الصراع، أما الآن، فالأرقام هي التي تتحدث عمن قتل العراقيين، إلى جانب قوات الاحتلال "التي تريد الحكومة أن يثأر لقتلاها"، حيث ذكر مركز "صقر" للدراسات، وهو بحثي عراقي، بعض جوانب المشهد، ومنها: مليون أرملة، استناداً إلى إحصائية رسمية صادرة عن وزارة المرأة، و4 ملايين يتيم بحسب وزارة التخطيط، وأكثر من مليوني قتيل حسب إحصائيات وزارة الصحة والطب العدلي، و800 ألف مفقود لا يعرف أهلهم عنهم شيئا، 340 ألف عراقي اعتقلوا في السجون الأميركية والعراقية بحسب إحصائيات مرصد حقوق الإنسان، من بينهم 120 ألفاً اعتقلتهم قوات الاحتلال، و67 ألف إصابة بالإيدز بعدما كانت 114 إصابة فقط مسجلة قبل الاحتلال عام 2003، وأكثر من 30% يعيشون تحت خط الفقر، تدمير شامل للبنية التحتية، حيث توقفت 90% من المعامل الكبيرة والمصانع عن العمل، وتدهور في مستوى التعليم أدى إلى اتخاذ منظمة اليونسكو قرارا برفع الاعتراف بشهادات الجامعات العراقية، وانتشار الكحول والمخدرات بين طبقة الشباب بصورة غير مسبوقة بحسب إحصاءات وزارة الصحة. وليست هناك تقديرات دقيقة لخسائر العراق المالية أثناء فترة الغزو والاحتلال، لكنها تصل بحسب بعض المراقبين إلى 3 آلاف مليار دولار، وهناك أكثر من 4 ملايين مهجّر بين الداخل والخارج لم يردوا في التقرير. ويمكن القول من دون تردد إن الغزو الأميركي هو المسؤول الأول عن هذه المآسي التي حلت بالعراق، ومعه بالطبع أعوانه الذين لم تتلطخ أيديهم بدماء الأميركان، ولكن بدماء العراق والعراقيين.