المشهد الأول: مقطع فيديو، ضجّ به موقعا "فايسبوك" و"يوتيوب" مؤخراً، يظهر رجلاً ثلاثينياً مسلّحاً يحاول تعليم طفلة لم تتجاوز ربيعها العاشر كيفية إستخدام السلاح الرشاش.. "مين بدّك تقوصي؟"، يطرح سؤاله على الطفلة أمام كاميرا هاتف محمول. تجيب:على الجبل ،في إشارة الى منطقة جبل محسن في مدينة طرابلس- شمال لبنان، قبل أن تطلق رصاصاتها بعيداً بمساعدة "مدرّبها"، لكون جسدها النحيل لا يقوى على إتمام "المهمّة"!

ذلك المشهد، "طفلة.. مشروع قاتلة"، هو عيّنة مما يحدث في مدينة طرابلس، والتي تشهد من حين الى آخر، إشتباكات على محورَي باب التبانة (ذات الغالبية السنية)- جبل محسن (ذات الغالبية العلوية).. مقاتلون صغار يجاهرون بما يفعلون، بعدما انخرطوا في "لعبة" الكبار البشعة، مستبدلين أقلامهم ولعبهم بأسلحة حقيقية، ليقدّموا صورة عما سيكونه جيل المستقبل.

المشهد الثاني: مع انطلاق حملة "لأ" الخاصة بفريق "14 آذار"، على الشبكة العنكبوتية وتحديداً على "فايسبوك"، إبتكر مناصرو "8 آذار" حملتهم المدافعة عن السلاح.. هو الفضاء رحب بما يكفي لإعلانات تبدأ برفض السلاح أو تأييده، ولا تنتهي عند إقحام شخصية "الأسد الملك" الكرتونية وإبنه الشبل "سيمبا" في الصراع السياسي اللبناني.

وعلى سبيل المثال، يقارن موقع "أيّ وطن؟" بين لبنانَين: ذاك الذي يعيش فيه مواطنون يحبّون السلام والسهر والعلم وبراءة الأطفال، ووطن آخر يعشق سكانه الموت ويعطون الأطفال السلاح ويجرّون البلد إلى الدمار..

وبين هذه الحملة وتلك، يشتعل النقاش على "فايسبوك"، وفقاً للطريقة اللبنانية: سباب، شتائم متبادلة، إتهامات بالعمالة تارة وبالإرتهان للخارج طوراً. كما ابتكر الفريقان صوراً تعكس موقفهما من التطورات الراهنة: صورة لطفل على بطنه مسدس، في إشارة إلى التعلق بالسلاح، في مقابل صورة أخرى لطفل يلهو ويلعب في حديقة خضراء كدليل على "حبّ الحياة".

وما بين المشهدين، يستذكر اللبنانيون ، على اختلاف أعمارهم، الحرب بالرموز.. فلا يسمّون القاتل باسمه، ولا يعترفون بأخطائهم أو أخطاء زعمائهم.. وبحسب رأي الدكتور في علم الإجتماع أنطوان مسرّة، يتلطّون خلف ماضٍ يريحهم، أحياناً، أنه بقي غير موثق ولا متفقاً عليه، ما يكرّس في دواخلهم بعض الأحقاد الدفينة، المعزّزة بالإتهامات الجاهزة، وتحميل المسؤولية للآخر.. دوماً الآخر، وأحياناً "الغريب"، هو الدافع باتجاه حمل السلاح، ووجهه الواحد: القتل.

وفي حين تطارد لعنة الفلتان الأمني اللبنانيين جميعاً، ويستمرّ الشارع مكاناً لتسجيل المواقف ومصدراً للتوتر المتنقّل، ما يعكس حدّة الإحتقان السائد في البلد، والذي بات تنفيسه يحتاج الى ما هو أبعد من "المسكّنات الموضعيّة"، بحسب قول خبير عسكري لـ"البيان"، فإن الأسلحة، كظاهرة قديمة- جديدة، تؤرق دوماً اللبنانيين، وتحلّ عليهم ضيفاً ثقيلاً، في بلدهم الذي لا ينقصه إلا "شرارة" حتى "يفرقع".. في المقابل، تكاد مسؤولية قمع هذه الظاهرة لا تنحصر في جهة واحدة معيّنة. وفي معمعة المسؤوليات المتقاذَفة، باتت المناسبات والأحداث أشبه بمسلسل رعب متنقِّل ما بين الأحياء والزواريب.

سباق محموم

والسلاح لا وجه سلمياً له. ينتشر في بيوت اللبنانيين كقطعة أساسية من التجهيز المنزلي، يصل التباهي فيها إلى حدّ رفعه للزينة فوق الجدران.

وسواء أكان استخدامه في لبنان يتنوع من الإبتهاج بزعيم أو في مناسبة إجتماعية أو رياضية، أو للتهديد أو للأمن الخاص أو للدفاع عن النفس، وصولاً إلى الجريمة، فإن أرقام الحوادث المسلّحة وضحاياها لاتزال تُسجل ارتفاعاً، وكأن البلد يعيش في حرب أهلية، وفق قراءة الناشط الإجتماعي سامر شاهين.

وفي حين تتسابق معظم الجهات الى اقتناء السلاح، مواطنون عاديون أو تابعون لجهات نافذة، فإن الجميع يفتش عن قطعة سلاح لاقتنائها، ما يحيل الكلام عن مدن وبلدات خالية من السلاح غير واقعي، وذلك في ظل أجواء أمنية وسياسية مضطربة، وعدم وجود بيئة قانونية تضبط الاستخدام الفردي.. فماذا يقول القانون؟

كل ما يحدث اليوم في لبنان يشجع على اقتناء السلاح الفردي واستعماله، في حين أن القانون لا يشجع على التخلّص منه.

وتعتبر فوضى حيازة السلاح واستخدامه من أهم الأسباب للجرائم بجميع المناطق، ما يشير الى ضرورة تشجيع إعلان قرى ومناطق خالية من السلاح ، بحوافز تنموية ودون استثمار ذلك سياسياً.