فيما بات الشارع اللبناني مساحة تائهة بين "التعبير الديمقراطي" والفرصة للانتقام من الوجه المعنوي للدولة، باتت هي "أباً عاقاً" منصرفاً عنهم إلى فساده وشهواته وإغداق خيره على أولاده المحظيّين، "آكلي البيض بقشره"، وفق المقولة اللبنانية.. ولكون قطع الشوارع بالإطارات المحترقة بات أسلوباً يتيماً يدل على العجز عن الابتكار وعن الألوان.
كما يشي بانتفاء المرح من نفوس لا ينعشها إلا الدخان الذي لا يُحتمل للمطاط المحترق، فإن المناطق اللبنانية تشهد من حين الى آخر تجمعات اعتراضية رمزية، يشارك فيها أطفال يزيّنون الدواليب بالألوان الزاهية ويزرعون فيها الورود.
"بدل ما نولّعها، خلّينا نزيّنها"، "كلنا تحت سما لبنان". عبارتان باتتا متدوالتين في النشاطات التي تقام، والتي تحمل رسالة إلى من يحرقون الدواليب لأن يتوقفوا عن هذه الوسيلة للتعبير، لما لها من مضار صحية وبيئية. وذلك، في مقابل تكرار مشهد من يتأبّط دولاباً، عند أول فرصة سانحة.. يهرع به إلى الطريق، يحرقه.
ويرقص حوله ضاحكاً مصفقاً، إما لشعور عميق بالغبن من ظلم اجتماعي- اقتصادي، أو ردّاً على موقف إعلامي، يعتبره جزءاً من "مؤامرة عظمى" يحيكها الكوكب كله ضدّه كشخص أو ضدّ الطائفة التي ينتمي إليها أو ضدّ الحزب الذي ينضوي تحت لوائه.
والمضحك المبكي، أمام هذا الواقع، إن "النكات" المرتبطة بعمليات حرق الإطارات تتكاثر وتنتشر، عند حصول حدث ما، إن على صفحات المواقع الإلكترونية الاجتماعية مثل موقع "فيسبوك" وغيره، أو بين الناس في الأماكن العامة، أو خلال لقاءات الدردشة بين المعارف أيضاً. "خلّي دولابك الأسود لبيتك الأبيض"، نصيحة مرفقة بالتعليقات الساخرة.
ومنها، أنّ مالكي مخازن الإطارات المستعملة أصبحوا يروّجون لبضاعتهم عبر شعار تسويقي جديد، هو: "مع كل إطارين.. خيمة مجاناً"، لتسهيل أمور "المعترضين" و"الغاضبين" الذين غالباً ما يستكملون عملية حرق الإطارات في الشوارع بنصب خيمة "اعتراضية"!
