على الرغم من تمتع مدينة الإسكندرية عروس البحر المتوسط بشواطئها الزرقاء ورمالها الناعمة، وتفردها بلقب المدينة «الكوزموبوليتنانية» عن باقي المدن المصرية والساحلية؛ نظراً إلى تعدد الثقافات والجنسيات المتعايشة بداخلها، إلا أنك ستتعجب كثيراً عندما تعلم أنها كانت المحطة الأولى لقيام الحضارة اليونانية والرومانية، وكانت ملتقى الديانات السماوية الثلاث الإسلامية والمسيحية واليهودية، وأنها تشع إلى اليوم نورا ثقافيا وحضاريا نابعا من أصول حضارتها تلك، لتضيء العالم بأسره.
وسيزيد إعجابك بالمدينة عندما تكتشف أن تلك المميزات الفريدة تجمعت في أحضان شارع واحد بالمدينة، وهو «النبي دانيال»، وعند التجول فيه ستجده منارة للعلم والثقافة والحضارة بما يحتويه من أكشاك خشبية مصفوفة على طول جانبيه لبيع الكتب التراثية والتاريخية، ويعد صورة كربونية من سور الأزبكية بالقاهرة، ويعرف «شارع الكتب»، فضلاً عن قيمته التاريخية لمدى عقود، والتي تركها الإسكندر الأكبر مؤسس الإسكندرية القديمة عام 332 ق م، لأبناء المدينة كهدية حضارية وتراثية فريدة تخلد ذكراه إلى اليوم، ويضم الشارع أقدم المعابد اليهودية «إلياهو حنابي» وفي أوسطه «الكنيسة المرقسية» الأولى بإفريقيا، وفي آخره أقدم مسجد «النبي دانيال» الذي يعود تاريخه إلى العصر الإسلامي.
ويعد «النبي دانيال» الأقدم والأعرق تاريخيا، فهو أول شارع بناه الإسكندر الأكبر ولايزال قائما حتى الآن، حيث يشق المدينة طولياً بدءاً من منطقة محطة الرمل إلى ميدان محطة مصر، ولا يمكن لعقل بشري أن يتخيل أن هناك شارعا يزيد عمره على آلاف السنين مثله.
يروي الدكتور عزت قادوس عضو هيئة آثار الإسكندرية، عن بدايته قائلًا: «ترجع أهمية الشارع لأنشائه منذ قرون، وعندما عهد الإسكندر إلى مهندسه اليوناني دينو قراطيس بناء المدينة اختار الشارع ليكون أحد الشوارع الرئيسية للمدينة، فقد كان تخطيط المدينة يعتمد على وجود شارعين رئيسيين، يمتد الأول من الشمال إلى الجنوب وهو شارع «النبي دانيال»، ويمتد الثاني بالتقاطع معه من الشرق إلى الغرب وهو شارع «فؤاد حاليا»؛ لتأتي جميع شوارع الإسكندرية متوازية مع الشارعين بالطول وبالعرض على هيئة رقعة شطرنج، وكان اسمه قديماً «الكاردو دي كومانوس» واكتشفت العديد من المقابر الملكية اليونانية والرومانية فيه، ومن المؤكد أن مقبرة الإسكندر الأكبر مدفونة فيه.
ويقول محمد أبو الحمد، أحد أقدم الباعة داخل شارع النبي دانيال «ورثت مهنة بيع الكتب عن والدي، فقد كان من الباعة الأوائل الذين افترشوا على الأرض الكتب قبل تخصيص أكشاك بطلب من المثقفين والأهالي، وأنا أبيع جميع الكتب منذ عشرين عاما، وبأسعار زهيدة.
ونحن نجلب الكتب من أماكن متعددة». وأسس باعة الكتب بالشارع جمعية منتخبة من الباعة للحفاظ على سوق بيع الكتب والتراث من الاندثار، ولمتابعة أحوال الباعة داخل الشارع
.وعن الفرق بين شارع النبي دانيال وسور الأزبكية بالقاهرة، نقول انهما يتشابهان في بيع للكتب القديمة، لكن الأسعار في الأزبكية أغلى، ومساحة السور أكبر من الشارع، وهناك علاقات تجارية ولقاءات في المناسبات الثقافية، كمعرض القاهرة الدولي للكتاب، ومعرض الإسكندرية للثقافة، ومعارض الجامعات والأندية وأماكن التجمع.
ملتقى الاديان
ويعتبر الشارع شاهدا حقيقيا على التقاء الأديان والحضارات بالإسكندرية، فلكل ديانة من الديانات الثلاث موضع قدم، ومسجد النبي دانيال كان من قبل معبدا يهوديا، وتحوّل في العصر الإسلامي إلى مسجد، أسهم في تعليم أبناء المدينة أصول الدين على مدى قرون، وزين بالأعمدة والنقوش الإسلامية العريقة.
وأثناء الجلوس بداخله تجد الوفود الآسيوية تأتي لزيارة ضريح النبي دانيال الموجود في غرفة مغلقة أسفل المسجد، تصل إليها من خلال سلالم داخلية؛ والضريح على شكل مربع مدفون تحت الأرض، وقد كتب على كسوة الضريح «نبي الله دانيال».
وينسب البعض الآخر الضريح إلى أحد العارفين بالله، وهو الشيخ محمد دانيال الموصلي أحد شيوخ المذهب الشافعي، وكان قد قدم إلى مدينة الإسكندرية في نهاية القرن الثامن الهجري واتخذ من الإسكندرية مكانا لتدريس أصول الدين، وظل بالمدينة حتى وفاته سنة 810 هـ فدفن بالمسجد وأصبح ضريحه مزارا للناس، ولذلك قد حمل الشارع والمسجد اسم «النبي دانيال».
والكنيسة المرقسية تعد الأقدم في مصر وافريقيا ويعود تاريخها إلى سنة 62 ميلادية، ويوجد المعبد اليهودي «إلياهو حنابي»، والذي يعرف بمعبد النبي دانيال، ويعود تاريخه إلى 1836م، و تقام بداخله شعائر الجالية اليهودية بالإسكندرية حتى الآن.
خشوع
عند تجوالك داخل شارع النبي دانيال ستشعر بالخشوع والروحانية تمتلئ قلبك وصدرك عندما يرتفع أصوات الأذان بالتكبير داخل المسجد، وعندما تدق الكنيسة أجراسها للصلاة إلى الله والاحتفال بأعياد الميلاد، مع ممارسة الجالية اليهودية شعائرها داخل المعبد، في جو من الألفة والروحانية والتسامح، تعم أجواء الشارع بأسره، وتعبّر عن النسيج المصري الأصيل.

