انتشرت ظاهرة السلاح بين المواطنيين في دول عربية عديدة خاصة تلك التي هبت عليها عواصف الربيع، فاقتلعت أنظمة وخلفت الكثير من مظاهر الإنفلات الأمني، وهي تكمن في تلك التي يتم تهريبُها من الخارج، وأخرى يتم تصنيعها محليًا، وأسلحة خاصة بدول فأصبحت متاحة ومباحة باقتلاع مخازنها ،ومعرفة مصادرها. واستغل تُجّار السلاح.
والراغبين في تضخيم أرصدتهم، الغياب الأمني لجلب ملايين من قطع السلاح إلى داخل أوطانهم أوإلى دول راغبة فيه عبر الحدود المختلفة. والإحصاءات تشير في بعض الدول ومصر مثالا إلي أن تجارة السلاح زادت بنسبة 150 % ،ورغم عدم وجود إحصاء رسمي بحصر عدد القطع التي دخلت إليها ،الا ان معلومات توضح وجود زيادة كبيرة في أسعارها .
فقد ارتفع سعر الوحدة من الذخيرة الحية من 7 جنيهات لما يقترب من 25 جنيها، وأن معظم تجار الأسلحة يتركزون في صعيد مصر، وأن 25 % من الأسلحة التي ضبطت خلال السنتين الماضيتين هي "أسلحة ميرية" هربت من أقسام الشرطة، والسجون فيما عرف بجمعة الغضب.
القاهرة
مصر.. كثافة المتاح وعدم تقنين المباح

"هناك حالةً من الانتعاش في سوق السلاح بمصر عبّرت عنها تقارير وزارة الداخلية التي أكدت على معلومات تفيد بدخول كميات كبيرة من الأسلحة عبر الحدود الليبية، والمتداول بصورة غير قانونية 3 أنواع ، الأول يتم تهريبُه من الخارج، والثاني يصنع محليًا، والثالث حكومي مصادر من أقسام الشرطة والسجون .
ذلك ما يقوله الوكيل السابق لجهاز مباحث أمن الدولة اللواء فؤاد علام ورغم إعلان وزارة الداخلية، وبعض الأحزاب عن مبادرات أعقاب الثورة تحث المواطنين على تسليم السلاح مقابل التصالح، إلا أنها لم تحقق النجاح المتوقع؛ لعدة أسباب، أهمها أن معظم الذين قاموا بعمليات تهريب السلاح من الأقسام والسجون هم مسجونون أو مسجلون خطر، ومعنى تسليمهم للسلاح هو تمكن قوات الأمن من إلقاء القبض عليهم.
ويؤكد الخبير العسكري اللواء طلعت مسلم أن ما شهدته مصر عقب ثورة يناير أعطى فرصة كبيرة للخارجين عن القانون والمتاجرين؛ لجلب السلاح من الخارج، وجلب كميات كبيرة من السلاح عبر الحدود التي كانت معظمها خارج الرقابة الصارمة نظرًا لانشغال القوات المسلحة بحالة الانفلات الأمني الداخلي بسبب غياب الأمن بعد عمليات اقتحام أقسام الشرطة والسجون.
والسيطرة على الكميات الكبيرة يجب أن تتم عن طريق استعانة الشرطة بقوتها الحقيقية، وهدوء الأوضاع الداخلية من اعتصامات ومظاهرات ، وبدء المواطن صفحةً جديدة مع رجل الشرطة، ومساعدته في تقديم واجبه بالكشف عن المجرمين والمسجلين خطر، وكذلك أن تبذل الحكومة مساعيَ؛ لعقد اتفاقيات مع دول الجوار ، وتشكيل لجان؛ لمحاربة تهريب السلاح فيما بينها.
وأشار الخبير الاستراتيجي اللواء حسام سويلم إلى أن الثورات دائما ما تشهد حالة من الانفلات الأمني الذي يستغله الخارجون عن القانون في ممارسة أعمالهم، وأنشطتهم، وهو ما حدث بمصر من زيادة في تجارة السلاح والمخدرات، قائلاً: لا يمكن أن نتوقع حجم الأسلحة التي دخلت لمصر من الخارج خاصة في الثمانية عشر يومًا من 25 يناير وحتى 11 فبراير 2011.
ويضيف قائلاً يمكن السيطرة على نسبة كبيرة من تلك الأسلحة، لكن ذلك يحتاج لوقت كبير؛ حتى تتعافى الداخلية تماماً، وعلى الرغم من الجهود المبذولة في هذا الشأن، إلا أنه يوجد بعد العقبات، ومنها تركز معظم تجار السلاح في بؤر جبلية في الصعيد وسيناء والصحراء الغربية.
كما أن زيادة عدد المساجين الهاربين من السجون، وأقسام الشرطة ساهم في استمرار حالة الانفلات الأمني في الشارع، ورغبة الحكومة، ووزارة الداخلية في استعادة الهدوء مرةً أخرى للشارع قبل البدء في تكثيف حملات أمنية لضبط السلاح المهرب.
صنعاء
تصـاعـد نشـاط تجـار الأزمـات فـي اليمن

استفحلت ظاهرة انتشار السلاح في أيدي اليمنيين بعد الربيع الثوري إلى حد جعلها خطراً يومياً يهدد حياة السكان ويقض مضاجع السكان، ويقلق الأمن العام خاصة في مناطق لم تكن تنتشر فيها الأسلحة وسط سكانها كمدينة تعز والحديدة وعدن. وفي الآونة الأخيرة تدفقت شحنات تهريب على البلاد بشكل غير مسبوق.
وتوسعت وانتشرت الصراعات العشائرية والأسرية والعائلية المسلحة، وتكررت حوادث القتل والسطو والنهب تحت تهديد السلاح على الرغم من المحاولات التي تبذلها قوات الأمن والجيش للسيطرة على الأوضاع الأمنية.
الباحث والمحلل اليمني نبيل البكيري في تعلقه على الانفلات الأمني وانتشار السلاح قال أعتقد أن أي مرحلة انتقالية في أي بلد كانت لابد ان تتسم بالانفلات الأمني الحاد، وتحول جزء كبير من مؤيدي النظام المطاح به في إطار الهيكلة الإدارية للدولة والذين يشعرون بتهديد مصالحهم إلى مجرد عمال تخريب لمؤسسات الدولة والعبث التام بكل ما له علاقة بالمرحلة الانتقالية.
وذلك ما حدث في اليمن بعد الثورة ، عدا عن التدخلات الإقليمية الكبيرة من قبل قوى تريد أن تعزز تواجدها في الوطن، من خلال العمل على تغذية حالة الانفلات الأمني لتعزيز تواجدها الذي يرتبط تماماً بجهات وجماعات مسلحة.
ويتسرب من خلالها العمليات الكبيرة لتهريب الأسلحة كالذي حدث مع عدد من البواخر التي لم يكن آخرها جيهان ون الإيرانية التي تم السيطرة عليها في المياه الإقليمية، وغيرها الكثير من عمليات تهريب الأسلحة وخاصة ما يتعلق بالمسدسات التركية التي لا تزال حتى اللحظة أمرها غير واضح ولا حتى من يقف وراءها.
ويرى الناشط الشبابي علي الشرعبي، أن انتشار السلاح في البلاد ليس وليد انتفاضة الربيع بل بدأ منذ مراحل مبكرة من الصراع السياسي يعود بعضها إلى السبيعينيات وحتى اليوم، كما هو الحال في صراعات 13 يناير وحرب 94 م وحروب صعدة ، ثم المواجهات التي دارت في مناطق مختلفة من البلاد خلال الاحتجاجات الشعبية.
ويشير الرئيس التنفيذي لمركز التأهيل وحماية الحريات الصحافية محمد الصادق العديني إلى ان ما يحصل من انتشار للسلاح واختلالات أمنية مؤشر على أن تجار الأزمات لا يزالون يمتلكون تواجداً كبيراً في مفاصل الدولة، وليس بالضرورة أن يكونوا من الأسماء المعروفة والظاهرة بولائها لنظام الرئيس السابق.
والبلاد بحاجة إلى سلطة قوية لا تمثل معظم أدواتها وطريقة عمل العهد السابق. وللأسف لا تزال العقليات نفسها وبالأدوات ذاتها، تدير مواضيع مصيرية مثل الأمن الذي بانفلاته وتدهوره تتأثر مختلف الجوانب والأوضاع المعيشية.
وحول انتشار الأسلحة وتزايد الانفلات الأمني في مناطق لم تكن مثل تلك المشاكل مطروحة فيها مثل تعو ، الحديدة ، عدن، يرى البكيري أن ذلك راجع إلى : الموقع الجغرافي لهذه المناطق المطلة على البحار والموانئ بدرجة رئيسية وبعض تلك المحافظات تعد مفاتيح من يسيطر عليها ربما يسهل له السيطرة على بقية المناطق كتعز والحديدة وعدن .
ويقول العديني إن امتدادها حالياً إلى مناطق عرف سكانها بأنهم مدنيون وبسطاء مرده إلى مساهماتهم في الثورة على النظام ، ولذلك فإنهم يعاقبون ، وهناك من يعمل على إغراقها بالخوف والرعب والفوضى ومظاهر التخلف انتقاماً من أهلها وسكانها.
تونس من ممر إلى مستودع

تعيش تونس حالة قلق دائمة من انتشار السلاح على أراضيها، وتهريبه إليها وتخزينه، والمتاجرة به، وإمكانية استعماله من قبل الجماعات الدينية المتشددة التي قويت واشتدّ عودها، وباتت تجاهر بسعيها الى السيطرة على الحكم.
واكتشفت مؤخرا مخازن سلاح بمناطق عدة منها مدنين وجندوبة ومنطقة المنيهلة المحاذية للعاصمة، وتمكن الحرس الوطني من ضبط كميات كبيرة بينها قاذفات طائرات "آر بي جي" والعشرات من الكلاشينكوف والمتفجرات والقنابل اليدوية.
وفي أكثر من مناسبة، استخدم إرهابيون السلاح ضد القوات الحكومية منها ما جدّ في منطقة بئر علي بن خليفة من ولاية صفاقس عندما اشتبكت قوات الجيش مع إرهابيين كانوا بصدد تهريب أسلحة قادمة من داخل التراب الليبي الى المناطق الداخلية،.
ورغم محاولات الحكومة التقليل من شأن فوضى السلاح لطمأنة مواطنيها، فالبلاد تعج بمخازن السلاح وخاصة في المناطق الجبلية والصحراوية والتهريب يأتي عبر البر أو البحر، وتحولت تونس الى معبر للسلاح الموجّه للثوار الليبيين عام 2011، وآخر يهرب من الصحراء الكبرى عبر الجزائر.
وتشيرالتقارير الاستخباراتية على العلاقات الوطيدة بين الجماعات الدينية المتشددة في تونس وليبيا والجزائر وتعاونها في مسألة تخزين السلاح والذخيرة لاستعمالهما في مواجهات منتظرة، حيث يرى تنظيم القاعدة في تونس الحلقة الأضعف في المنطقة، ويطمح الى جعلها منطلقا لنشاطه المستقبلي.
ويقول محمد القوماني المختصّ في الحركات الإسلامية إنّ اختراق الحدود التونسية وتهريب الأسلحة "لم يكن مفاجئاً"، وجزء من الأسباب تعود لاستنزاف جهود قوات الأمن بسبب حالات الاحتقان التي شهدتها البلاد بعد الثورة. واكتشاف أسلحة بنوعية وكميات مخيفة تدلّ على أنّ من يخزنها لديه نية الاستعمال الحقيقي في عمليات كبيرة حتى ضدّ الدولة نفسها.
والمعطيات المعلنة تفيد أنّ متشددين دينيين وراء تخزين الأسلحة، غير مستبعد تورط عصابات إجرامية وأطراف لها أجندات سياسية في تخزين الأسلحة لاستعمالها لاحقاً. ويرى الخبير في الشوؤن الأمنية هيكل محفوظ أن الترجيح الغالب أن السلاح المخزن، لفائدة تنظيمات دينية متطرفة.
واعتبر أن هناك تقارير اشارت الى أن متطرّفين دينيين ينتقلون عبر المنطقة الحدودية التي تربط بين كل من تونس والجزائر وليبيا، وأنه سبق للرئيس المرزوقي ان اكد أن سقوط نظام القذافي ساهم في انتشار السلاح في المنطقة الحدودية.
ويعتقد المحلّل السياسي والاستراتيجي منذر ثابت أن تونس اليوم مهدّدة في أمنها واستقرارها بسبب وفرة السلاح المهرّب والذي تم استعمال بعضه فعلاً في مواجهات مع الأمن والجيش، وموجود لدى جماعات مسلّحة في المناطق الجبلية تقول الحكومة إنها مرتبطة بتنظيم القاعدة، والأخطر من ذلك أن هناك أطرافا تسعى الى افتكاك الشارع عبر خطاب تقول إنه سلمي في حين أن كل المؤشرات تثبت استعدادها لاستعمال السلاح في مرحلة قادمة.
ومع اتساع دائرة النشاط السلفي الجهادي، يرى المراقبون أن تلك الجماعات باتت تمتلك كميات من السلاح تساعدها على خوض أية مواجهة مع القوات الحكومية، وما يزيد الخوف إمكانية عودة الجهاديين من مناطق النزاع كسوريا وشمال مالي والعراق وغيرها، بعد أن امتلكوا خبرات ميدانية في القتال.
وفي قيادة المعارك والتخطيط لها، إضافة الى أن أبرز خبراء تصنيع المتفجرّات في تنظيم القاعدة من التونسيين. ويعتقد الخبير التونسي ورئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية في جنيف رياض الصيداوي أن خطر الإرهاب والسلاح بات محدقاً بالبلاد ومن الضروري التحذير منه، فالإرهاب عند أعلى درجات العنف السياسي.
وتنامي الظاهرة إلى جانب المخاطر الأخرى، قد تحول العنف السياسي إلى مادي وإرهابي وأول المخاطر من ليبيا للزخم الكبير للأسلحة الخارجة على السيطرة لدرجة الفوضى والتي وقع تهريبها إلى تونس والجزائر ومصر عبر مسالك متعددة، وما يحدث اليوم على الحدود التونسية الجزائرية خير مؤشر على تسربه ووقوعه بأيدي جماعات وعصابات لا يهمها مصلحة البلاد.
الخرطوم
نزاعات السودان والجوار تساهم في استفحال الظاهرة

مئات الأرواح تزهق إن لم تكن يومياً فبصورة مستمرة، ولا تكاد تخلو الصحف السودانية ووكالات الأنباء من حوادث القتل بين القبائل والنهب سيما في المناطق التي تشهد حالات من الانفلات الأمني في دارفور وجنوب كردفان، والمتهم الأول في ذلك ، انتشار السلاح ورواج تجارته غير المقننة في السودان حتى اصبح الحصول على قطعة سلاح أسهل من وجبة طعام في بعض المناطق.
وتقدر كميات الأسلحة المنتشرة في السودان بأكثر من 4 ملايين قطعة، الأمر الذي دعا الدولة بكافة مؤسساتها لإيجاد الوسائل التي من شأنها أن تحد من الظاهرة التي باتت المهدد الأول للأمن والاستقرار بكافة أنحاء البلاد. ويرى مراقبون أن الحرب الأهلية التي دارت رحاها في الجنوب طيلة العقود الماضية مثلت مصدراً اساسياً للأسلحة الصغيرة والخفيفة، بجانب الحروبات التي شهدتها بعض الدول المجاورة .
سيما الجوار الشرقي والجنوبي ما ولد انتشارا كثيفا للأسلحة ودخول كميات كبيرة عبر اللاجئين والفارين من المتحاربين بتلك الدول. والصراع في دارفور والانقسامات التي تحدث بين الفينة والأخرى للفصائل المتمردة.
كان لها الأثر البالغ في تسرب وانتشار الأسلحة في ايدي المواطنين، بحيث أصبحت لغة السلاح هي المسيطرة في إدارة الأزمات بين القبائل وظهر ذلك جلياً في آخر صراع دار بمنطقة السريف بولاية شمال دارفور ، وراح ضحيته حوالي 300 شخص من قبيلتي «بني حسين والرزيقات».
كما أن للثورة الليبية القدح المعلا في دخول كميات هائلة من أسلحة العقيد معمر القذافي المتدفقة إلى السودان عبر دارفور، الأمر الذي شكل مهدداً أمنياً بحسب تصريحات سابقة لوزير الدفاع السوداني عبدالرحيم محمد حسين، والتوتر الذي يعيشه الشريط الحدودي بين السودان وجنوبه بعد الانفصال صب في مصلحة مهربي الأسلحة بين البلدين. وانتشار السلاح بات مشجعا للعنف الاثني والقبلي والصراع علي الموارد، الأمر الذي يستوجب بذل جهود جادة لمحاربته.
وذلك ما اشار اليه وزير الدولة بالداخلية السودانية بابكر احمد دقنة، الذي أوضح ان عوامل عدة ادت لانتشار السلاح في السودان تتمثل في التطورات الأمنية التي تشهدها دول الجوار ، ودخول اعداد كبيرة من القوات إلى السودان بكامل تسليحها سيما بعد استقلال ارتيريا في بداية التسعينات بعد حرب شهدتها مع اثيوبيا.
وكذلك الصراعات التي تشهدها دول غرب افريقيا وجنوب السودان وأخيراً كان للثورة الليبية اثرها على دخول اسلحة الى السودان من ليبيا وتم بيعها بأسعار زهيدة للمواطنين سيما بإقليم دارفور، وأجرت الوزارة دراسة شاملة للظاهرة والشرطة تعمل بتنسيق مع الأجهزة الأمنية الأخرى والإدارات الأهلية جاهدة لتجميع السلاح من ايدي المواطنين وحصره.
وتتم محاسبة كل من تضبط بحوزته أسلحة.غير ان القيادي بقبيلة المسيرية المتاخمة لدولة جنوب السودان محمد عمر الانصاري يرى ان مساعي الحكومة لجمع وحصر السلاح ونزعه لا تعنيهم بشيء ، باعتبار ان حيازة قبيلته له يأتي بغرض الدفاع عن النفس، وحماية ثرواتهم الحيوانية التي تقدر بمئات الآلاف، حيث تنعدم الاستغاثة في مناطقه بالأجهزة الأمنية. وقال قبيلة المسيرية لا تعيش في الخرطوم حتى ينزع سلاحها والكمية التي بحوزتنا تقدر بعدد افراد القبيلة وهو يوجد في كل بيت ويمتلكه الأفراد.


