تجسد مقابر "كوم الشقافة" بجنوب حي مينا البصل في الإسكندرية الأساطير اليونانية الرومانية بألغازها، ومعابدها وقصورها المفعمة بالعراقة والأصالة، والمزدانة بالنقوش والزخارف الفريدة، والوجه الأوروبي الآخر لأكبر حضارتين في تاريخ البشرية، دون أن تبتعد عن الروح الفرعونية في التصميم.

ورغم مضي قرون عدة على الحضارة اليونانية والرومانية في الإسكندرية، إلا أن ملامحها وعبقها لا يزال مشتعلًا ومتوهجًا داخل عروس البحر المتوسط، فقد ترك الأجداد الرومان لأحفادهم من أبناء الإسكندرية مسارح عديدة وقصوراً ملكية شاهقة على غرار المعابد الفرعونية، والمقتنيات الشخصية الفريدة، والمقابر السرية التي تحمل كنوز الحضارة الرومانية.

وأشهر وأكبر مقابرها"الكتاكومب" التي تعد تحفة معمارية خالدة وأسطورة فريدة تكشف عن هوية أصحابها ونمط حياتهم القديمة، وطقوسهم الممزوجة بأساطير الحضارتين الفرعونية والرومانية، وأشهرها، مقابر كوم الشقافة أولا، ثم مصطفى كامل، والشاطبي والأنفوشي والورديان.

وتعد "كوم الشقافة" أكبر الجبانات المكتشفة أوائل القرن الماضي، وأشهر المزارات السياحية ذات السمعة العالمية، وذات صلة وثيقة بقيام أكبر حضارة رومانية يتحاكى بها التاريخ، لذا باتت قبلة للسياح الأجانب، وهي تضم أضخم مقبرة رئيسية مدفونة تحت الأرض بعمق ثلاثة طوابق، مثلما كانت مقابر طيبة القديمة تحفر لمسافات عميقة تحت الأرض لحمايتها من سرقة اللصوص والطامعين في مقتنياتها.

وتتميز المنطقة بجمعها بين الطقوس الفرعونية والرومانية وأساطير الحضارتين في دفن الموتى، وتعتبر أيضًا الوحيدة من نوعها على مستوى العالم التي تجمع بين الزخارف المصرية القديمة واليونانية والرومانية على حوائطها وتوابيتها، على عكس مثيلاتها في إيطاليا التي تميّزت بالفن اليوناني الروماني. ولم يمتزج ذلك في طابع عمارتها فقط، بل في نحتها وتماثيلها.

وعند النزول إلى "الكتاكومب" وهي المقابر المدفونة في الصخر تحت الأرض من خلال سلم حلزوني حفر خصيصًا داخل الصخر للنزول، فهي تحتضن معبدًا فرعونيًا ورومانيًا قديمًا تفوح منه أساطير الحضارة القديمة.

وبئرًا عميقة حفرت تحت الأرض ولها سقف مقبب يدخل منه الهواء، وكان الهدف منه نزول الجثمان من خلال فتحة سقف البئر متدليًا من أعلى وعبر فتحة بداخله تحت الأرض يمر الجثمان إلى مدفنه.

اكتشاف بالصدفة

ويروي مدير أثار منطقة كوم الشقافة محمود الفرماوي تاريخ المقبرة وبداية اكتشافها قائلًا: اكتــشفت المقبرة عام 1901 بالمصادفة، بواسطة عالم الآثار الإيطالي جوزيف بوتي، أثناء الاحتلال الإنجليزي لمصر، وكانت الإسكندرية آنذاك تعج بالجنسيات الأوروبية، ويعـــتبر بوتي أول مدير لمتحف الآثار اليــونانية الرومانية بالمدينة، والمسؤول عن تنقيب الآثار.

وتسمية المنطقة بالشقافة تعود لوجود تلال كثيرة من أوان فخارية متشققة ومكسورة، والتلال تدل على استيطان بشري بالمنطقة، وذلك ما استرعى اهتمام بوتي ليبدأ التنقيب عن الآثار، فاستخدم عام 1901 عربات تجرها بغال لإزالة الشقف، وقد غرزت قدم أحد البغال في الرمال، فبدأ عملية الحفر حتى وصل إلى مسافة 30 مترا تحت الأرض بعد إزالة أطنان من الرمال والشقف، وبفضل البغل تم اكتشاف مقبرة كوم الشقافة كاملة.

وعن تاريخ المقبرة الرئيسية "كتاكومب" يقول: كانت لأسرة رومانية أرستقراطية تعيش في الإسكندرية منتصف القرن الثاني الميلادي، ولأنها أسرة ثرية فقد صرفت ببزخ لتصميم المقبرة بأسلوب فرعوني، فاستعانت بمهندسين لحفر المقبرة وبناء البئر، وبرسامين محترفين لإقامة جدريات على الصخر برسومات فرعونية ورومانية.

وتتكون المقبرة من ثلاثة توابيت رئيسية داخل غرفة واسعة وتحيط بها أعمدة صخرية منقوشة برسومات متنوعة، والتابوت الرئيسي خصص للأب، والثاني للأم، والثالث للابن أو البنت البكر.

وتمثل المنحوتات الجدارية خلف التوابيت الرئيسية، أشكالا لآلهة فرعونية ورومانية على صخر بمهارة ودقة عالية، ولكل شكل دلالة على أسطورة أو حكمة دينية تصاحب المتوفى بعد دفنه بجانبه مقتنياته من الذهب والأحجار الكريمة.

ويزدان مدخل المقبرة من الخارج بأعمدة رومانية تشابه نظائرها الفرعونية بالأقصر وأسوان ، ونحتت عليها براعم نباتات البردي واللوتس المستخدم للكتابة في العصر الفرعوني القديم.

ونحت خلف التابوت جدارية بها شكل سرير جنائزي يضع عليه المتوفى لتتم عملية تحنيطه، وتحت السرير مجموعة أوعية فخارية يوضع بها أجزاء الأجسام الأكثر تلفًا التي يتم استئصالها من الجسم مثل القلب والمخ، وإحلالها بالمواد التحنيطية.

 

قصائد جنائزية

 

يحيط بالسرير الجنائزي تمثال منحوت على الصخر لإله العرش والحكم "حورس" وفق الأساطير الفرعونية القديمة، وبجانبه الإله "أنوبيس" المشرف على عملية التحنيط، وعلى جانب السرير يقف إله المعرفة والحكمة "جحوتي"، أما على يمين التابوت فيظهر للزائر شكل المتوفى أمام الآلهة "إيزيس" ليقدم لها القرابين، ممسكًا صفحة من ورق البردي تعبِّر عن الأعمال الجيدة التي قام بها طوال حياته. ل

م تكتفِ المقبرة الرومانية القديمة بنقوشها الفرعونية المبهرة، بل ارتبطت بطقوس اجتماعية ودينية، حيث يأتي أهالي وأصدقاء المتوفى كل عام في ذكرى وفاته وفي عيد الفيضان وشم النسيم لزيارة قبره ولإلقاء القصائد الجنائزية، وبعدها يتناولون الطعام. وخلف المقبرة الملكية الرومانية خصصت صالة كبيرة لمقابر جماعية لعموم الشعب وعددها 450 حجرةً. واكتشفت عظام خيول متناثرة بها، وجمعت ووضعت داخل صندوق زجاجي، وسميت الصالة باسم الإمبراطور الروماني كاراكالا.