كشف وزير التجارة الجزائري السابق الهاشمي جعبوب في حوار مع "البيان"، الأسباب الحقيقية لانسحاب بلاده من المنطقة العربية للتبادل الحر على الرغم من الالتزام الشخصي للرئيس عبد العزيز بوتفليقة بالمضي قدما نحو إتمام اندماج حقيقي في العلاقات التجارية والاقتصادية العربية، مشيرا إلى وجود جماعات ضغط قوية تعارض أي تقارب عربي في هذا المجال ، كما يتحدث في الحوار التالي بإسهاب عن الأسباب الحقيقية للفشل في إتمام مسار الانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة وكيف تخلت الجزائر عن جزء من سيادتها خلال توقيعها لاتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي.
ماهو تقييمك لمناخ الأعمال ونتائج الانفتاح الاقتصادي بعد قرابة ربع قرن من صدور دستور1989 الذي سمح بالتعددية؟
لا يمكن تقييم الوضع الاقتصادي لوحده، فالاشتراكية التي سادت 30 عاما بعد الاستقلال عام 1962 لم تحقق الفردوس الموعود، صحيح أن مجانية التربية والتعليم قدما دعما لبعض الفئات الاجتماعية الهشة، لكن الدولة احتكرت كل الأنشطة الاقتصادية والتجارية وتم تهميش الأفراد.
والنظام لم يكتف بانتهاج اشتراكية غريبة عن قيم الشعب ، بل اتبع سياسة خطيرة وهي متابعة المعارضين ، فعذبوا وسجنوا بسبب مواقفهم المعارضة للاشتراكية وفي مطلع الثمانينات تغيرت الأمور من اجل حياة أفضل ،وباتت هناك وفرة غريبة قائمة على استيراد كل شيء من الخارج ومع نهاية الثمانينات فتح المجال للحريات السياسية والتفكير في التحول نحو الاقتصاد الليبرالي أو اقتصاد السوق .
والغريب أن الذين طبلوا وهللوا للاشتراكية هم الدين كلفوا بالتخطيط لاقتصاد السوق ، وبالتالي لم يتبع النمط الجديد بالقوانين المؤطرة حتى ينجح، فكانت الفوضى في البداية مع تحرير التجارة الخارجية وفتح المجال بدون مراقبة ما أضر كثيرا بالبلاد.
هناك تجارب دولية ناجحة في التحول من الاشتراكية إلى الاقتصاد الحر، لماذا فشلت الجزائر ؟
كان يمكن أن تنجح الجزائر في التحول الاقتصادي إلى النمط الصحيح بطريقة سلسة لو كان الظرف مواتيا من الناحية الأمنية، بالإضافة إلى أن النوايا السياسية الخاصة بالنهج لم تكن واضحة المعالم ،وكان هناك تردد كبير وإحجام من الدولة التي كانت لها نظرة سلبية للقطاع الخاص . فالسلطة تعتقد أن المواطن الناجح والمتعامل الثري الناجح ،بالضرورة مواطن سارق في حين أن أغلب الدول الناجحة تقدر الكفاءة والنجاح والجهد وتثمنه وتكرم أصحابه.
تحرير الاقتصاد
العارفون بالشأن الاقتصادي والسياسي يقولون إن الجزائر لم تكن لها نوايا تجاه تحرير الاقتصاد أصلا، ولم تقدم ملفا جادا للانضمام لمنظمة التجارة العالمية، ما تعليقك؟
بالنسبة لموضوع منظمة التجارة العالمية، يجب التذكير أنه في عام 1994 عقد اجتماع مراكش الذي تحولت بموجبه منظمة الجات ،إلى منظمة التجارة العالمية، غير أن الذي حدث أن الجزائر غابت عن الموعد بسبب الحرب الأهلية ،وكان النظام السياسي لا يملك شرعية شعبية وعلاقاته كانت متدهورة مع المغرب وكانت الحدود مغلقة ، ويوم 11 ابريل 1994 موعد اجتماع مراكش ،حدث تغيير حكومي بالجزائر طال وزير التجارة المنتدب للاجتماع .ورغم ذلك تم التوقيع على اتفاق الانضمام ولتصبح الجزائر عضوا مؤسسا.
لكن حجة المترددين أن الدخول إلى منظمة التجارة قد يجبرنا على التعامل مع إسرائيل؟
ذلك الاعتقاد كان خطأ فادحا جدا، لقد كنا في منظمة الجات ولم تكن لن علاقات مع إسرائيل،اذ يستحيل على أي دولة أن تكون لها علاقات تجارية مع دولة لا تعترف بها دبلوماسيا، وأقول أن الجزائر فوتت فرصة تاريخية عندما لم تكن عضو مؤسس بدون تنازلات وبدون شروط.
وذلك كلف الجزائر 12 جولة من المفاوضات والمزيد من التنازلات ولم نتمكن إلى اليوم من الدخول وقد يطول بنا التفاوض ونكون آخر دولة عربية خارج المنظمة على الرغم من الثمن المكلف لهذا البقاء على هامش الحركة التجارية الكونية.
ورغم استمرار التفاوض للانضمام إلى المنظمة 17 عاما ، الا أننا استفدنا بتهذيب القوانين المتعلقة بالتجارة وبالخدمات وأضيفت عليها الشفافية التامة.ويخطئ من يعتقد أن منظمة التجارة العالمية هي للتبادل الحر، فالانضمام لا يعني إزالة جميع الحواجز الجمركية، وإقامة مناطق التبادل الحر يحدث خارج المنظمة ، ويجب أن يعرف الناس أنه حتى داخل المنظمة هناك تعريفات جمركية تطبق بين الدول الأعضاء بحسب التفاوض بين تلك البلدان الأعضاء، والذين لهم الحق في الإبقاء على التعريفة الجمركية مرتفعة.ورغم ان الجزائر خارج المنظمة، الا أن اكبر مستفيد من الامتيازات الجمركية معها هو الاتحاد الأوروبي ،والأعضاء الباقون سيطالبونها بمنحهم الامتيازات نفسها.
البعض يتحدث عن صعوبة إلغاء التعريفة الجمركية على السلع الأوروبية مارأيك؟
يجب تصحيح الوضع فهو غير طبيعي،، والتنازل الذي حصل سنة 2000 يعتبر تنازلا خطيرا ويجب تداركه ، فالتعريفة الجمركية تسمح بممارسة السيادة وأيضا بمراقبة الاستيراد سلبا أو إيجابا.
هل نالت الجزائر امتيازات مقابل تنازلاتها لصالح الاتحاد الأوروبي؟
وقع على اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي"مسار برشلونة"عام 1999 ونفذ مطلع سبتمبر 2005 بتفكيك جمركي تدريجي على السلع والخدمات المستوردة من الاتحاد الأوروبي، كانت تأمل في تنفيذ وعود بروكسل بمساعدة الجزائر في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة ونقل التكنولوجيا واستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة الأوروبية ،وتدريب وتكوين الموارد البشرية ،وإعادة تأهيل النسيج الصناعي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ،ومساعدتها في مفاوضات الانضمام إلى منظمة التجارة، لكن حدث العكس.
فلم تستفد الجزائر شيئا مما وعدت به ، بل ان أكبر المشاكل التي تواجهها في مسار انضمامها إلى المنظمة العالمية تأتي من الاتحاد الأوروبي ،باعتباره المستفيد الأول من بقائها خارج المنظمة خشية تعميم تلك الامتيازات إلى بقية دول العالم الأعضاء فيها .
شراكة خاسرة
إذا كان اتفاق الشراكة سلبيا فلماذا التفاوض لتمديده حتى 2020؟
من مصلحة الجزائر تعميم هذه الامتيازات التي منحتها للاتحاد الأوروبي لجميع مورديها الأساسيين حتى تكون تنافسية بينهم من اجل تخفيض فاتورة الاستيراد السنوية. وشكوكنا بدأت تتأكد أن دولا أوروبية تمارس معنا ما يسمى بالتجارة الثلاثية، أي أنها تشتري سلعا من خارج الاتحاد وتبيعها لنا، مثل حديد الخرسانة، ولا نملك القدرات الفنية والتقنية للمراقبة والتأكد من منشأ الحديد.
والنقطة الثالثة تتعلق بتوقيع رئيس الجمهورية في قمة الدوحة سنة 2007 على وثيقة الانضمام إلى المنطقة العربية الكبرى للتبادل الحر، وكانت الجزائر آخر دولة تلتحق بعد 20 سنة من التماطل والتسويف والتظاهر بالتفاوض تحت تأثيرات اللوبيات الرافضة لأي تقارب عربي، وهنا افتح قوس للتنويه بدور سفير الجزائر السابق في القاهرة عبد القادر حجار الذي مارس ضغوطا تاريخية وألقى بكل ثقله مع رئيس الجمهورية من اجل التوقيع على اتفاق الانضمام إلى المنطقة العربية الكبرى للتبادل الحر.
لكن تم تجميد الاتفاق بعد سنة من بدء تنفيذه؟
فعلا، دخل الاتفاق حيز التنفيذ في يناير 2008، ولكن للأسف الشديد اعترضت جماعات الضغط على قرار الرئيس بوتفليقة لمنع تحقيق التقارب عربيا واصدرت قائمة سلبية بـ1240 منتجا عربيا ممنوعة من الاستفادة من الإعفاء الجمركي ،فالغي باليسرى ما وقع باليد اليمنى .
*يتردد أن الحكومة كانت تمنع الشركات العمومية من الاستثمار؟
- الحكومة بالفعل مسؤولة عن حالة التآكل المتقدمة التي يعانيها النسيج الصناعي غير التنافسي والعاجز عن تلبية الطلب الوطني، والدولة تستورد الحديد والأسمنت ومصانعنا لديها فائض رهيب من السيولة النقدية. واليوم نعاني من عجز في الاسمنت بنحو5 ملايين طن. وهناك قرار رسمي يمنع الشركات العمومية من الاستثمار، ولبروز اتجاه نحو الخصصة الكلية لتلك القطاعات ،وطلب من مسؤولي شركات تسيير مساهمات الدولة بوقف الاستثمار، وتسريع الخصصة وإقرت منحة لمن ينجح في خصخصة أكبر عدد ممكن من المؤسسات العمومية.
ماهي رؤيتك للمستقبل وما المطلوب عمله؟
يجب إقامة اقتصاد يعتمد على النمو الحقيقي ،وخلق الثروة وإقامة دولة المؤسسات والحق والقانون، تضمن الحريات والتداول السلمي على السلطة وتحترم الملكية الفردية والجماعية وتعمل على التكافل الاجتماعي واستقلالية القضاء لأن المستثمر يجب أن تكون له ضمانات بوجود قضاء مستقل،وضمان شفافية التعاملات الاقتصادية وحماية مصالح المتعاملين وقطع شأفة الفساد نهائيا ، بما يحفز على الاستثمار الحقيقي المحلي أو الدولي.
ومراجعة السياسة الحالية لاستغلال النفط والغاز بوضع ضوابط تسقيف الكميات المستخرجة سنويا ،وربطها بالاحتياجات الحقيقية للبلاد، والمراقبة الدقيقة لأوجه استخدام عائدات النفط ،والسعي قدر الإمكان لتوظفيها في إقامة بنية تحتية حقيقة وتمويل الاستثمار المنتج العمومي والخاص ،واستحداث مصادر أخرى لتمويل الاقتصاد وميزانية الدولة ، وتعبئة الموارد المالية والابتعاد قدر الإمكان عن الاكتناز سواء من طرف الدولة آو الأفراد والتفكير في سن اعفاء جبائي عن الأموال النائمة في البيوت أو خارج القنوات الرسمية.
*البعض لا يحبذون التعامل مع القنوات المالية التقليدية لرفضهم الربا، ماهي مقترحاتكم ؟
- من الأفضل طرح كافة الخيارات التقنية المتاحة بالتعاملات المالية التقليدية أوالمطابقة للشريعة، والمواطن له حرية الاختيار. وعلى الحكومة إنشاء مؤسسة قومية للزكاة ذات صلاحيات قانونية مطلقة مثل المديرية العامة للضرائب، وموارد بشرية ومادية كافية لإقامة ركن الزكاة الشرعي وجمعها وتوزيعها على مستحقيها دعما للتكافل الاجتماعي ،والحد من تفاقم التحويلات الاجتماعية التي ناهزت 20 مليار دولار سنويا.
هناك انتقادات وجهت إلى قواعد الاستثمار بقانون المالية التكميلي لسنة 2009 ومنها قاعدة 51/49 ما هو موقفكم ؟
من الأفضل للجزائر مراجعة قاعدة الاستثمار51/49 بالإبقاء عليها في القطاعات الإستراتيجية فقط، وكذا مراجعة قانون النقد والقرض ،والسماح بإنشاء البنوك الإسلامية وإعطاء المواطن الحرية في الاختيار .واستحداث صناديق سيادية قطاعية لتمويل القطاعات المختلفة وتحقيق الاستقلال عن الريع النفطي ،على أن يكون توظيف الأموال في قطاعات اقتصادية مربحة والتفكير في الاستثمار في الخارج في القطاعات المربحة .
قاعدة الاستثمار
قال الوزير الهاشمي من الأفضل للجزائر مراجعة قاعدة الاستثمار51/49 بالإبقاء عليها في القطاعات الإستراتجية فقط، وكذا مراجعة قانون النقد والقرض ،والسماح بإنشاء البنوك الإسلامية وإعطاء المواطن الحرية في الاختيار .واستحداث صناديق سيادية قطاعية لتمويل القطاعات المختلفة وتحقيق الاستقلال عن الريع النفطي ،على أن يكون توظيف الأموال في قطاعات اقتصادية مربحة والتفكير في الاستثمار في الخارج في القطاعات المربحة .

