تظل قضية اللاجئين واحدة من أكثر القضايا المؤرقة للدول المضيفة لهم، نظراً لتعدد مشاكلهم واحتياجاتهم، فضلاً عن عدم قدرة تلك الدول على ضمان حقوقهم الصحية والمادية، في ظل ضعف التعامل الرسمي معهم من قبل مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.
ويشير تقرير صادر عن المفوضية السامية للاجئين بالأمم المتحدة إلى أن إجمالي عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المُسجلين لدى مكتب المفوضية في مصر مثلاً يصل نحو ثمانية وخمسين ألفاً و994 شخصاً يتصدرهم السودانيون بعدد يبلغ 22 ألفاً و280 لاجئًا وطالب لجوء، ثم السوريون وعددهم 20 ألفاً و265 لاجئاً وطالب لجوء، ثم العراقيون وعددهم سبعة آلاف و664، فالصوماليون وعددهم 6901، ثم إريتريا 2999، ثم أثيوبيا 2350 شخصاً وجنوب السودان 859 شخصاً وجنسيات أخرى متعددة عددها 1738 لاجئاً وطالب لجوء.
وهناك العديد من المتاعب التي تواجه الدول المستضيفة لأولئك الذين يواجهون صعوبة الحياة وتتبدد أمامهم الآمال في أي طوق نجاة وخاصة أن الدعم الذي تقدمه المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ضئيل جداً، ليجد اللاجئ نفسه في دولة لا تقدم له أي دعم مادي أوصحي ولا توجد مرافق تعليمية تستوعب الأطفال في المدارس، وحتى الاحتياجات الضرورية لا تتوفر إلا فيما ندر وعبر منظمات خيرية ودينية.
الخرطوم
السودان يأوي 500 ألف من القرن الافريقي
عشرات السنوات مرت منذ منتصف الستينيات للقرن الماضي ولا يزال السودان يستقبل مئات الآلاف من اللاجئين من دول الجوار الإفريقي، ورغم أوضاعه السياسية، وتراجع أحواله الاقتصادية، وتردي أموره الأمنية في كثير من مناطقه إلا أن تدفقات الباحثين عن الأمن والحماية والحياة الأفضل نحو السودان في تزايد مستمر. وتشير الإحصاءات الى ان نصف مليون انسان يعيشون في أراضيه، وأغلبهم من أثيوبيا، أرتيريا، الصومال، وهم يواجهون بؤس الحياة في معسكرات اللجوء من جانب عصابات الاتجار بالبشر، والاختطاف من جانب آخر.
وقد أصبح السودان بحكم موقعه في القارة الإفريقية قبلة للاجئين، سيما بعد الكوارث الطبيعية مثل الجفاف والتصحر والحروب والصراعات نتيجة لتقلبات الظروف السياسية التي تشهدها بعض تلك الدول. وانعكس كل ذلك سلباً على حياتهم ونتج من جرائها تدفق أعداد بشرية هائلة من دولهم. وكان لشرق البلاد نصيب الأسد في استقبال مئات الآلاف من لاجئي اثيوبيا وارتيريا والصومال الذين يتسللون إليه عبر الحدود القريبة جداً والمتداخلة معه، وفتحت العديد من المعسكرات لإيوائهم في ولايتي القضارف وكسلا إذ تتواجد بهما أكبر 9 معسكرات للاجئين في السودان.
ويقول مدير إدارة الحماية والخدمات بمعتمدية اللاجئين السودانية عادل دفع الله: إن هناك ثلاثة تصنيفات للاجئين في السودان هم، اللاجئون القدامي وقدموا اليه منذ ستينيات القرن الماضي وأقاموا بمعسكرات اللجوء المعروفة ويبلغ عددهم 72 ألفاً، والفئة الثانية من اللذين بدأوا التدفق لأراضيه منذ عام 2004 وحتى الآن وتقدر أعدادهم بأكثر من 130 ألفاً، وتتمثل الفئة الثالثة في لاجئي المدن وتقدر أعدادهم بين 200 300 ألف لاجئ.
ويشير إلى أن الأرقام المذكورة افتراضية، إذ ليس هناك احصائية دقيقة بهم وهم ينتشرون في جميع المدن السودانية، وبدأت معتمدية اللاجئين بالتنسيق مع سلطات السجل المدني في إحصائهم بشكل دقيق.
وكشف دفع الله أن معظم اللاجئين من الأرتريين والإثيوبيين والصوماليين وبعض الدول الإفريقية الأخرى، يتم ايواؤهم في معسكرات بولايات شرق السودان الثلاث "القضارف وكسلا البحر الأحمر" إلى جانب ولاية غرب دارفور، ويعبّر الدعم المقدم إليهم ضعيفاً مقارنة بالعدد الهائل الذي يستضيفه السودان وكذلك فدعم المانحين شحيح للغاية، بل إنه في تناقص مستمر. وتعتمد معسكرات اللاجئين في السودان على الدعم الغذائي والدوائي الذي تقدمه المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عبر معتمدية شؤون اللاجئين المحلية فيما تقدم الحكومة الوطنية الحماية والأرض لهم.
ويشير مدير إسكان اللاجئين بشرق السودان التاج النور محمد إلى أن غالبية طالبي اللجوء خلال السنوات الأخيرة، باتت من فئة الشباب الذين يتخذون من السودان معبراً للهجرة لدول أوروبا المختلفة، ما يجعلهم فريسة سهلة في أيادي عصابات الاتجار بالبشر التي تستغل حاجاتهم للخروج من جحيم المعسكرات، بعكس ما كان عليه الحال في السابق، حيث يأتي اللاجئ إلى المعسكرات في وضع إنساني سيئ للغاية، ورغم بؤس الأوضاع الإنسانية داخل معسكرات اللجوء في السودان إلا أن تدفقاتهم في تزايد مستمر.
بغداد
العراق.. عدد المغادرين يتجاوز العائدين من الغربة
إنها حيرة حقاً، ومتاهة لها بداية ولكن لا تبدو لها نهاية، بين مغادرة المواطن بلده مضطرا أو مجبراً، وبين العيش في مجتمع غريب، قد لا يتوافر فيه ولو جزء بسيط مما كان له في بلده الأصلي، قبل المغادرة "بالإكراه"، ولاسيما ظروف توفر العمل والعيش المستقر، في الحالتين.. ولكن الحيرة الأمرّ تكمن في التساؤل: أيهما الأجدى، العيش في الغربة، أم العودة إلى بلده ليشعر فيه بالاغتراب وهو يفتقد فيه الحياة الحقيقية؟
مؤخرا.. توقفت دعاية الحكومة العراقية ، بشأن عودة الآلاف من المهاجرين، إلى وطنهم، بعد سماعهم عن تحسن الوضع الأمني، فوجدوا الموت يتربص بالجميع في كل زاوية.
وحسب الإحصاءات الدولية، فالمغادرون هذه الأيام أكثر بكثير من الذين يعودون بسبب اضطراب الأوضاع في بعض البلدان التي لجأوا إليها.
وكانت الدعايات قد تحدثت عن تسهيلات للعائدين، وتخصيص مليون دينار "800 دولار" لكل عائلة عائدة إلى الوطن، ومشروطة بعدم مغادرة البلاد لمدة ثلاث سنوات!، رغم أنها لا تساوي مصروف جيب لأحد أبناء أي مسؤول في الدولة. والمكرمة لم تعطَ لمستحقيها، بل منحت للأقارب والمحاسيب الذين سافروا للاستجمام، بينما بقي العائدون "المغرر بهم"، يعانون الأمرّين، لأنهم وجدوا أنفسهم ضائعين بين ملايين العاطلين عن العمل، وأنقاض بيوت كانت لهم قد نُهبَت، يقول زيد محمد سعيد أحد العائدين، إنّه لم يستطع رؤية "أطلال" منزله في شارع ستّين في الدورة، فكل شيء فيه قد سُرق، حتى أبواب الغرف وشبابيكها.
تلك الوقائع دفعت منظّمات حقوق الإنسان إلى دعوة العراقيّين في الخارج إلى التريّث في العودة، فالأجدى أن يتمّ العمل أوّلاً على إعادة النازحين داخل الأراضي العراقية، وعددهم يناهز المليونين، قبل التفكير بدعوة المهجّرين في الخارج.
ونصحت المنظمات الدولية المهاجرين الراغبين بالعودة، التريث وإرجاء التفكير في هذا الأمر، فالوضع الأمني لا يزال هشاً وغير مستقر، وأهالي الداخل ينصحون أقاربهم ومعارفهم في الخارج بعدم العودة، لأسباب أخرى أهمها عدم توافر مجالات العمل، وانعدام الخدمات، وفي مقدمتها الكهرباء والوقود والمياه الصالحة للشرب وغيرها، إضافة إلى الإغلاق التام للمناطق وعزل بعضها عن الأخرى.
وحسب مسؤولين أمنيين، فإن ساعات حظر التجوال تم تقليصها، وأصبحت تبدأ عند منتصف الليل، وتستمر حتى الفجر، بعد أن كانت تبدأ في السابعة مساء، إلا أن المسؤولين أنفسهم يقرّون بأن شوارع بغداد تكاد تكون خالية تماما، في وقت مبكر من الليل.
وبغداد الآن أشبه بمدينة ميتة ليلًا، وقد فقدت أهم مميزاتها العريقة، التي كانت تتجسد بسهراتها، وبمنتدياتها الثقافية والفنية والاجتماعية، وبأبي نؤاسها الذي لا ينام، ويواصل حيويته في كل الأوقات، وفي كل الظروف.. فبغداد بغير ليلها ليست بغداد العراقيين.
الكويت
الكويت.. يد العون تطال مناطق الوضع الإنساني المتأزم
رغم عدم وجود قادمين غرباء من أماكن الاضطرابات والحروب للإقامة في الكويت بالشكل والحجم المعروفين مثل دول أخرى، إلا انها بشقيها الرسمي والشعبي تولي قضية اللاجئين أهمية بالغة، سواء على الصعيد الإنساني أو السياسي الذي يكفله دستور البلاد، لتساعد اللاجئين في أماكن تواجدهم عبر إقامة مخيمات صالحة للسكن مؤقتا، مع توفير الخدمات الضرورية من مأكل ومشرب ورعاية صحية.
ويؤكد رئيس مجلس ادارة جمعية الهلال الأحمر برجس البرجس ان أحد أبرز أضلع مساعدات الجمعية هو تقديم العون المباشر والعاجل إلى اللاجئين في أماكنهم أينما كانوا، دون النظر إلى جنسياتهم وانتماءاتهم. ولدينا خطط عاجلة حيال أي موضوع طارئ يتعلق بالمساعدات الانسانية للذين يتعرضون لللكوارث الطبيعية أو الحروب.
وهناك مسؤوليات تأخذها الجمعية على عاتقها كما في الوضع الراهن في سوريا، إذ لن تتخلى عنها، بل وتضع مساعدات للمحتاجين في أماكنهم المتفرقة وفق الأولويات. واغاثة الشعب السوري تأتي تنفيذا للرسالة الانسانية لجمعيتنا على الساحة العالمية، ومن ضمن واجبها واهتمامها بالوضع الانساني المتأزم، فرفعت وتيرة العمل الانساني بصورة مكثفة للحد من تداعيات الظروف التي يعانونها، وقال ان الجمعية تحركت منذ بداية الأحداث هناك ونظمت حملات انسانية متتالية للنازحين الى الأردن وتركيا ولبنان بعد تدشين حملة التبرعات الشعبية. وفي الداخل الكويتي، يولي الهلال الأحمر ومعه جمعيات خيرية عديدة وعلى رأسها بيت الزكاة، أهمية بالغة في تحسين أوضاع المحتاجين الذين عادة ماتكون أشبه بحالة اللاجئين، حيث تقدم معونات تشتمل على توفير السكن الملائم والخدمات الصحية والتعليمية.
وفي الوقت نفسه يولي بيت الزكاة الأسر المتعففة داخل الكويت عنايته الدائمة من خلال السعي للتعرف عليها وتقديم المساعدة اللازمة لها في إطار من السرية التامة، كما يقوم بمد يد المعونة المادية والعينية للأسر المحتاجة بأساليب متطورة تستهدف تقديم المساعدات لهم في سهولة ويسر، لسد احتياجاتها وتوفير أسباب الاطمئنان والعيش الكريم لها، بحسب تأكيدات نائب مدير عام البيت خالد الحسيني من خلال متابعته المستمرة لأحوال المحتاجين داخل أو خارج الكويت، سعيا لمساعدتهم على سبل العيش الكريم، ويقوم بيت الزكاة أيضا بتوزيع مساعدات عينية على بعض الأسر المتعففة من فئة المقيمين بصورة غير قانونية، وقد توسعنا في النشاطات والخدمات التي يقدمها البيت لتشمل الرعاية الصحية والتعليمية، مشددا على ان كل المشروعات التي يقدمها البيت تندرج في اطار المساعدات الإنسانية للمحتاجين.
مصر.. غياب آلية تنظم التعامل مع اللاجئين
يواجه النازحون واللاجئون في مصر العديد من المتاعب، خاصة المتعلقة بالدعم الذي تقدمه المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، فهو ضئيل جداً، ليجد اللاجئ نفسه في دولة لا تقدم له الدعم المادي والصحي الكافيين، وعادة ما يحصلون على احتياجاتهم عبر المنظمات الخيرية والدينية كالجوامع والكنائس، وكذلك عبر المنظمات المعنية بتقديم الدعم الصحي. ذلك ما أكده مدير المؤسسة المصرية لحقوق اللاجئين أحمد بدوي، وهو يتناول في حديثه عن أبرز المشاكل التي تعترضهم، ومن بينها أيضاً تأمين التحاق أطفالهم بالمدارس والدعم التعليمي الذي ينتهي عند المرحلة الإعدادية، وإذا أراد الطالب استكمال دراسته يكون على حسابه الخاص بل عليه أن يدفع بالجنيه الاسترليني.
وهناك مشكلة أخرى تتمثل في إيجاد السكن التي تواجه هؤلاء، حيث يتعامل أصحاب العقارات معهم وكأنهم سياح، دون التفكير في الكوارث التي دفعت بهم إلى ترك بلادهم وبيوتهم، وأنهم يحتاجون مد يد العون إليهم وليس استغلالهم. إلى جانب تحفظ مصر على التعليم وتوفير فرص عمل عادلة لهؤلاء. وعن تعامل الشعب مع الأفارقة، فثقافة المصريين ومعلوماتهم عنهم منعدمة تقريباً لدرجة أنهم ينظرون إليهم على أنهم سبب غلاء المعيشة وأنهم يحاربونهم في أرزاقهم.
وحول الالتزامات التي يكون على الدول المُضيفة توفيرها لأولئك، يؤكد بدوي ضرورة توفير الحد الأدنى حسب الاتفاقيات، ومشكلة اللجوء إلى مصر تأتي من عدم وجود آلية تنظم كيفية التعامل معهم، ما يترتب عليه نقص البيانات الدقيقة التي تحدد أعدادهم عكس بلاد أخرى كالأردن التي تتحكم في أوضاعهم بوجودهم في معسكر يقوم عليه مشرفون. وفي مصر يكون التعامل من منطلق القومية العربية؛ وكثير من الموجودين على أرضها، يأتون إليها دون التسجيل بالأمم المتحدة ويعيشون حياة طبيعية مع المواطنين.
متاعب حياتية
ويشير خبير الشؤون العربية بمؤسسة الأهرام الدكتور سعيد اللاوندي، إلى أن مصر إذا ما قورنت بدول أخرى ستكون الأكثر تهذباً في التعامل، رافضاً فكرة وجود أي مضايقات متعمدة من السلطات، وإلا ما كانوا فكروا في المجيء إلى مصر التي تعطي لهم حق تملك الأراضي والشقق الفاخرة، وهو حق لا يكاد يوجد في دول أخرى.
ويوضح الناشط الحقوقي ورئيس جمعية الدفاع العربي عاطف النجمي، المتاعب التي تقابل اللاجئين عموماً في المنطقة العربية، ومن بينها عدم حصولهم على الحق في التعليم الأولي في بعض البلدان، وعدم قيام السفارات التابعة لهم بتجديد جوازات السفر، وعدم قيد المواليد الجدد في البلد المضيفة، ما يتهددهم بمشكلة إنسانية أخرى.
وهي وجود أطفال بلا أوراق ثبوتية. وبالتالي عدم تمتعهم بالرعاية الصحية كأبناء الوطن، بل تعرض بعضهم إلى مطاردات وملاحقات وتهديد، لتحجيم حركتهم داخل الدولة، ومنعهم من التعبير عن آرائهم السياسية حول الأحداث التي تقع في بلادهم، كما أن بعضهم يجد صعوبةً في القيد بالأمم المتحدة للحصول على الحماية القانونية والسياسية. ووفقاً للاتفاقيات الدولية لحقوق اللاجئين فإن أي دولة يوجد على أرضها لاجئ أو غير لاجئ يكون عليها حمايته، حتى من دولته إذا طالبت بتسليمه بحجة محاكمته، إذ لا يجوز تسليمه لها، إلا بعد التأكد من أنها ستحميه وتوفر له محاكمة عادلة.
وعن اتهام البعض لحق اللجوء بأنه ذريعة يتخذها بعض رموز الفساد للهروب من المحاكمة، فالقانون الدولي لم يترك الأمر على إطلاقه، وإنما سمح للدولة المضيفة بتسليم اللاجئ بشرط وجود أحكام صادرة من محاكم تتسم بالقضاء العادل، وأن يُحاكم الشخص أمام قاضيه الطبيعي، وليس أمام محاكم استثنائية. وعليه لن يكون هناك هروب؛ فالمخطئ سيُحاكم، ويُطلب عبر الإنتربول الدولي.
وحول ما إذا كان من حق أي دولة أن ترفض لجوء أشخاص إليها، أو تبرر رفض استمرار الاستضافة لعجزها عن توفير الاحتياجات الأساسية لهم. وأكد النجمي أن الأمم المتحدة تقوم بصرف أموال للدولة التي تحتضن لاجئين، حتى لا يكون العبء بالكامل عليها، وفي حالة تعذر ذلك تلتزم الأمم المتحدة بنقلهم إلى دولة أخرى توفر لهم الرعاية، أما الدولة التي تقبل استضافتهم وتقصر في رعايتهم، فتوقّع عليها عقوبات مثل الحرمان من الدعم الاقتصادي أو من معونة ما أو غير ذلك.







