الشباب السوري بأطيافه المختلفة وشرائحه المتعددة كان شرارة الثورة، وصوتها الذي شق عنان السماء وهو يلبي النداء من أجل الوطن وقد عانى غالبيته أشد ألوان العذاب وهو في الشارع والإهانة داخل المعتقلات،لا لجرم ارتكبه سوى حمله السلاح في وجه الظلم دفاعا عن الأهل والوطن وكرامته ومستقبله.

وسرعان ما تبدلت الأدوار بعد استطالة عمر الثورة واعتلاء بعض الانتهازيين المشهد السياسي والعسكري العام، وسط غياب شبه كامل وتغييب متعمد لشريحة الشباب، التي لم تجد مكانا لها وسط المعارضة بمختلف مشاربها، ورغم أنهم صناع الثورة.

فقد تم تجاهلهم بحجة قلة الخبرة. ويرى الكاتب والمحامي جرس الهامس أن من أهم الأسباب الموضوعية الرئيسية لتراجع دور الشباب في ظل الثورة، فقدان القيادة الموحدة والبرنامج الواحد للثورة منذ البدء. وقد طرحت شخصياً على الشباب ذلك، ولم يتحقق أي شيء، ورجوتهم السعي لتشكيل لجان شعبية في الأحياء والقرى، وتوحيد الناس ضد النظام، كما دعوتهم لرفض أي تدخل في شؤون الثورة من معارضة الخارج التابعة للأجنبي وللإسلام السياسي المتعاقد مع أميركا.

دور كبير

ويشير عضو هيئة التنسيق الوطنية الدكتور فؤاد قطريب، إلى أن عسكرة الثورة وأسلمتها لعبت دوراً كبيراً في ذلك، إضافة إلى عدم وجود الوعي والخبرة عند جيل الشباب بسبب سياسة النظام خلال عقود.

ومن ثم تسرع النشطاء في تسليم زمام الأمور للمعارضة الإسلاموية والليبيرالية المتحالفة مع الغرب. وتلك العسكرة للثورة امتصت جزءا أساسياً من طاقات الشباب الذي انخرط في الحراك، والنظام اعتقل جزءا رئيسياً منه، ولم يتبق سوى القليل منهم ويرفضون العسكرة التي قطعت الطريق على مجموعة كبيرة من الانخراط في الثورة.

وتتردد حالياً مفردات من قبيل أن أحلام وآمال الشباب السوري تحطمت، وزاد سقف الإحباط عندهم، بسبب انفراد بعض كبار السن بفرض الرأي والقرار في مشهد يشير كما لو أن سوريا تفتقر إلى شريحة الشباب، في الوقت الذي تشكل الحقيقة العكس تماماً، اذ تبلغ نسبتهم نحو45 بالمائة من تعداد المجتمع. ويرى المراقبون أن نخبة كبار السن تفتقد حساسية الاتصال بالواقع والشارع.

والتعامل مع ايقاع العصر عبر وسائل التقنية الحديثة التي قربت المسافات وأزالت الفوارق. وبات اهتمامهم مرتكزا على العمل من أجل المصالح الحزبية الضيقة دون التركيز على قراءة الواقع، أو حتى التفكير فيما يمكن أن يحمله المستقبل من متغيرات قد تعكس الصورة تماما. وربما كان انصرافهم عن التعاضد مع الشباب ومؤازرته ومحاولة فهمه، ربما يعود لانتمائهم إلى ذات الثقافة المأزومة التي عمل النظام على ترسيخها بأسلوب التصحر الفكري والثقافي والسياسي والاجتماعي.

وعليه، حان الوقت أن يخرج الشباب من وصاية الكبار إلى فضاءات أرحب يتعامل فيها بأدواته، حتى يتخذ مكانه الصحيح، طالما أن الثورة السورية تحركت بفعل دينامكيته الفعالة.