«نزلت ميدان التحرير فلا مأوى لي أذهب إليه.. ولا أعرف المتظاهرين أو مطالبهم.. وهم يرفضون الرئيس مُرسي.. ونحن أيضاً نرفضه.. فأحوالنا لم تتغير.. وكنا نظنه رجلاً صالحاً سوف يحمينا!»، بهذه الكلمات تحدث أحد شباب الشوارع الموجودين في مصر. مؤكداً أنه لا يعرف السياسة، ويعرف فقط رغباته التي لا يستطيع تحقيقها الآن، كما كان لا يستطيع تحقيقها في عهد الرئيس السابق مبارك، وتغيّرت الأنظمة ولم تتغير حياتنا.
والمشهد المأساوي العصيب بالميدان ضم عشرات المتشردين من أبناء الشوارع، الذين تضامنوا مع الثوار، مُطالبين بتحسين أحوالهم، وتطبيق العدالة الاجتماعية. والغريب أن بعض الفصائل المؤيدة للرئيس مُرسي أشاعت أن المعارضة تعمل على استقطاب الشباب لتسييسهم من أجل الذود عن الميدان ضد أي هجوم.
وحذر مراقبون من إمكانية تفاقم الأوضاع لتصل مرحلة الخطر بخروج الفئات المهمشة التي تعاني ظروفاً قاسية ومنهم شباب وأطفال الشوارع في ثورة جياع عارمة قد تتسم بالعنف لإثبات حقوقهم، ومشاركتهم في التظاهرات الأخيرة بعيداً عن تسييسهم تؤكد الإرهاصات التي تشير إلى أن «ثورة الجياع» قادمة وستغرق البلاد في براثن الفوضى.
الناشطة السياسية شاهندة مقلد تقول: هناك العديد من الفئات المُهمشة والتي تستضعفها الأنظمة، وهي فئات صمدت عصوراً طويلة، مثل شباب وأطفال الشوارع والفلاحين وأصحاب المهن والحرفيين والعمال وغيرهم من محدودي الدخل الذين إن ثاروا بحق، فإن ثورتهم سوف تكون انتفاضة هائلة سوف تؤسس لقوى هائلة عمد النظام السابق على تهميشها.
والرئيس مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، بل دعموا الانقسامات فاتسمت الأوضاع بضبابية شديدة. وانتشار الظاهرة ليست وليدة اللحظة فهي مشكلة قديمة، وحذر منها الخبراء والنشطاء مراراً، ولم يستطيعوا السيطرة عليها أو حتى تحديد أسبابها وحذرت دراسات اجتماعية كثيرة من خطورة انفجارها في وجه الدولة والمجتمع.
ملجأ آمن
كانت الظاهرة مرتبطة بالعشوائيات والمشاكل الأسرية والمجتمعية التي تسببت في وجودها، والآن الأمر فاق الحلول المقترحة بتوفير فرص عمل لهم أو البحث عن أسرهم أو حتى القبض عليهم، وبعد اعتصام القوى السياسية في ميدان التحرير، انضموا إليهم وجعلوه ملجأ لهم، فوجدوا ثوريين يدافعون عن حقهم في العيش بحرية وكرامة.
والمحير أن البعض يتخيل الشباب المعتصم بالميدان والمشارك غالباً في أحداث العنف المتكررة مع الشرطة، هم «شباب الشوارع» الذين كانوا أطفالاً قبل 20 سنة، وذلك أمر بالغ الخطورة، لأن معظمهم يتربى ويكبر وفقاً لقوانين وأحكام الشارع ولا رقيب عليه اجتماعياً أو سياسياً أو حتى أسرياً يتدخل في تكوينه النفسي وسلوكه الأخلاقي، ومن الطبيعي لجوء معظمهم إلى استخدام العنف اللفظي والجسدي ضد أجهزة الأمن.
واقتحام أطفال وشباب الشوارع المجال السياسي، ظهرت أثناء فترة تولي المجلس العسكري للحكم، وما شابها من احتجاجات عنيفة، والتي نسبت لأول مرة إليهم، كأحداث شارع محمد محمود ومجلس الوزراء والعباسية وحرق المجمع العلمي وأحداث السفارة الأميركية ووزارة الداخلية وقصر الاتحادية. والقبض على مجموعة كبيرة منهم واعتبارهم «بلطجية» أجج الموقف وزاد من وتيرة العنف.
ضغط سياسي
أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومى للعلوم الاجتماعية والجنائية دكتورة عزة كريم، حذرت من استخدام الحل الأمني معهم لأن ذلك سيزيد الأمر خطورة وعنفاً بينهم والأمن. والحلول النفسية والاجتماعية هي الوسيلة الأنجع للقضاء نهائياً على الظاهرة. فالمهم التعامل معهم كضحايا وليس كمجرمين، لأنهم ببساطة لا يفرقون بين السلمية والعنف أو الطرق السياسية السليمة للتعبير عن آرائهم.
وحذرت أيضاً من خطورة الزج بأطفال الشوارع في الخلافات السياسية واستخدامهم كورقة للضغط السياسي أو الاستعانة بهم في إحداث عمليات عنف وفوضى أو الدفع بهم في الخطوط الأمامية للتظاهرات أو المسيرات للاشتباك مع قوات الأمن أو كغطاء سياسي للعنف المبرر. لذلك طالت الاتهامات بمحاولات تسييسهم من جميع الأطراف بداية من النظام الحاكم دائم التحامل عليهم ومن القوى المعارضة التي تشكلهم وتدفعهم للمشاركة دون توعيتهم، وكذلك أجهزة الأمن التي تتعامل معهم بأساليب خاطئة.
والشباب أنفسهم يستغلون التطورات التي يعج بها المشهد السياسي لكسب جولة في صراعهم مع (الحياة).


