شكّلت نسبة 90 % وما فوقها التي كان يحصل عليها معظم الرؤساء العرب خلال ما يسمى بالانتخابات الرئاسية العامة، هاجسا وشكوكا لدى الكثير من المقترعين والمتنافسين على السلطة اذا اتيحت الفرصة لأحد للترشح بغية منافسة الرئيس على المنصب أن التزوير سيكون السمة الغالبة والطابع الرسمي لتلك الانتخابات.
وما افكت الشكوك تسطر على الشعوب العربية حتى بعد سقوط الأنظمة المستبدة في أعقاب ثورات الربيع وانهيار دكتاتوريات الانتخابات المزعومة، لتصل الشكوك حاليا إلى الأحزاب التي تمكنت من فرض نفوذها على الساحة السياسية، الأمر الذي أدى إلى وأد نزاهة الانتخابات حتى قبل بدايتها وقبل إعلان النتائج بسبب حالة عدم الثقة التي تسود الكثيرين، وذلك ما أدى لزعزعة الاستقرار الذي هو أمر تشكو منه العديد من الدول العربية.
ولعل لجوء بعض الدول سواء لإجراء الانتخابات الرئاسية، أو حتى الانتخابات التشريعية إلى منظمات أهلية محلية ودولية لمراقبة عمليات الاقتراع والتأكيد على الالتزام بالقوانين واللوائح،وضمان الحياد والنزاهة. وتأتي المطالبة بإتاحة الفرصة لوسائل الاعلام المختلفة ومن شتى أنحاء العالم وليست المحلية فقط لتغطية الانتخابات، بمثابة دليل قوي لإعطاء المواطن الثقة في اجراء عملية انتخابية حرة ونزيهة. ولكن رغم كل ذلك يبقى السؤال الذي يفرض نفسه انتخابات العرب عبر صندوق الاقتراع هل هي دليل على ترسيخ الديمقراطية أم تكريس للديكتاتورية ؟.قضية الأسبوع وعبر آراء مختلفة تضع الاجابة.
رام الله - استئثار حزب الأغلبية بالحكم فهم خاطئ للديمقراطية

رغم التحولات التي شهدها العالم العربي من ثورات وتغيرات وسقوط أنظمة دكتاتورية، إلا أن محاولة التحايل على فقدان الشرعية بتبني أشكال ديمقراطية موجهة لا تزال سائدة، وجعل عملية صندوق الاقتراع سلوكا ديمقراطيا شكليا "ديمقتاتورية" تجري على أرض عربية تتغلغل فيها الديكتاتورية. وأكد كثيرون أنه بدون الصوت الوطني الصادق لن يفلح أمر نشر الديمقراطية في عواصم العرب.
أستاذ الفكر والفلسفة في جامعة بيرزيت ومدير مركز مواطن الدكتور جورج جقمان، أكد صعوبة ضمان انتخابات ديمقراطية نزيهة في وجود نظام سلطوي حاكم، مهما كانت الضوابط والمعايير المتبعة. والمطلوب أولا التوافق على قانون انتخابي بأغلبية إن لم يكن بشكل كامل تحقيقا لمصلحة الوطن، وما يلبي احتياجاته ويتلاءم مع خصوصيته. وأشار إلى أن التغيير لضمان انتخابات نزيهة عربيا ترضي الجميع.
يمر بتحرك شعبي واسع للمطالبة بديمقراطية حقيقية عبر الاعتصامات والوقفات السلمية. وعندما تقتنع النخب السياسية والحركات والأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع، أن مصالحها مشتركة وتؤمن بأهمية الشراكة في الحكم، عندها لن تقوم أي جهة بمحاولة التلاعب عند فرز الأصوات ولن نجد من يشكك في نزاهة العملية الانتخابية ونتائجها. وهناك خطأ كبير وقعت فيه بعض الدول التي حدثت فيها ثورات، وهو أن الحزب الذي حصل على أغلبية الأصوات في الانتخابات، يجب أن يستأثر بالحكم، وذلك فهم خاطئ للديمقراطية ولمبادئها في العملية الانتخابية.
تهيئة الأجواء
ويشير القيادي في حركة فتح عبدالله عبدالله إلى أن الانتخابات إحدى وسائل التعبير عن آراء الشارع وخياره، فالصوت النزيه والصادق يمنح من يريد السلطة لادارة البلاد وشؤون العباد وخدمة الوطن والمواطن دون تدخل مباشر أو غيره، بشراء الأصوات وابتزاز المواطنين. وعند بدء الفرز فيتم التلاعب المباشر في الأصوات. فالوعي والنضوج الفكري للأحزاب السياسية بضرورة إنفاذ الديمقراطية الحقيقية عند الانتخاب، هو الضمان الأهم لعملية انتخابية نزيهة وشفافة وحيادية.
صنعاء - الصفقات السرية تبدد الثقة في الانتخابات

جميع الانتخابات التي شهدتها اليمن منذ إقرار الخيار الديمقراطي عام 1990م لم تسلم من التشكيك في نزاهتها رغم قبول الأحزاب المتنافسة عليها بالنتائج بداية من 1993 وانتهاء بالرئاسية 2006 التي أفرزت سلطة ومعارضة .
وفي الانتخابات التشريعية متعددة الأحزاب عام 1993،أجمع المتنافسون على نزاهتها ،بالرغم من تشكيك المستقلين بانها شابها التزوير واستخدام امكانات الدولة التي أثرت على إرادة الناخب .وماجرى خلف الكواليس من مفاوضات لتشكيل حكومة ائتلافية بين المؤتمر الشعبي ، والتجمع للإصلاح ، والحزب الاشتراكي وتقاسم مقاعد البرلمان .
وتاريخ الدورات الانتخابات وما أحاطها بها من تسويات سرية ، تؤكد بجلاء النظرة لدورها ووظائفها في العملية على الرغم من تباين أيدلوجيات السياسيين ومشاربهم الفكرية ، وهي صورة ماثلة في الوعي واللا وعي اجتماعيا وسياسيا، ما أدى للتشكيك المسبق بنزاهة أي انتخابات مقبلة .
استاذ القانون في جامعة الحديدة الدكتور عبدالواسع الحميدي يقول من الطبيعي ان يسود منطق التشكيك بنتائج الانتخابات كنتاج لتاريخ طويل من ممارسات جعلت الناس في قناعات مسبقة حولها.
ولم تكن هناك دولة بمقومات حزبية حقيقية تتيح للأحزاب قواعد العمل وفقا لمعايير تتوخى دفع الناخب للتعبير عن إرادته الحرة.انما سلطة تجيش الجميع لتزكية ماهو قائم بأي وسيلة وبأي ثمن.وكان التنافس وهميا، والانتخابات وسيلة للغلبة والاقصاء والالتفاف والتأمر .وتحدد نتائجها مسبقا كانعكاس للإرادة الفوقية وليس تعبيرا عن الارادة الشعبية.
ولتجاوز الحالة الذهنية التي تكرست لدى الناس يرى الحميدي أن ذلك مرتبط بتبديد بواعث تلك القناعات بسلسلة من الإجراءات تعيد الثقة بالعملية الانتخابية وتنهي حالة التشكيك ،ومنها ايجاد تشريعات تتوخى تحرير إرادة الناخب وحماية خيارات تصويته الحر. ثم عدالة العملية الانتخابية ،باتاحة الحقوق للجميع دون تمييز، وهذه نقطة مهمة ،فالعدل اذا فقد بالبداية فلن ينتج الا ضده.وتعد المسألة المالية من أهم ادوات التحكم بسلوك الناخبين. وتبقى مسألة بطاقات الناخبين والتي لايمكن التحكم فيها.
الأحزاب الدينية والطائفية ضد فكرة الديمقراطية
الديمقراطية.. ليست كما يفهمها الكثيرون، بأنها حكم صناديق الاقتراع، وكسب أو شراء أو انتزاع أكبر عدد من الأصوات، لتأتي إلى الحكم أغلبية على حساب الأقل، وتفرض آراءها وتوجهاتها وميولها، في كل شيء مع فرض دكتاتورية جديدة "باسم الشعب".
والغريب في ما تسمى بـ "الديمقراطيات الجديدة"، أنها جاءت عبر احتجاجات جماهيرية، أو مقاومة مسلحة، أو تدخل خارجي واحتلال، لكن القيادات التي أتت إلى الحكم، من غير الذين احتجوا أو قاوموا، وإنما من الذين كانوا يساومون أو يتفرجون على "اللعبة"، ثم استغلوا السياسة، أوالمال الداخلي والخارجي، للقفز إلى السلطة عبر ما يسمى بـ "صناديق الاقتراع".
وقد سئل أحد كبار القادة السياسيين في "العراق الديمقراطي"، وقدعاش بالخارج عن مدى إيمانه وحزبه بالديمقراطية، فأكد عدم ايمانه بالمطبقة عالميا، بل بصناديق الاقتراع. وقد صعد عبر صناديق الاقتراع فأصبح نائبا، ووزيرا مهما، رغم جنسيته الأجنبية، وأصبح قياديا بطريقة "ديمقراطية"، لكنه لا يعترف بالديمقراطية، أو لا يفهها.
وفي الدول المتقدمة، تعرف الديمقراطية بأنها نمط سلوكي للمجتمع، يتم بناؤه مع نشوء الفرد، واحترام حريته وإرادته، وتنمية شخصية باتجاه التعاون والتكامل مع الآخرين. ويكون التنافس الحر بين آراء وأفكار وأيديولوجيا تصب في خدمة المجتمع ككل، وليس لمصالح فئوية، وهي ليست نقيضاً للحرية تلغي نفسها بنفسها كما في العراق وغيره.
وما أنشئ بعد الاحتلال سميت "ديمقراطية"، وبعد سقوط بغداد، أطلقت أيادي من يشاء لنهب كل شيء بمباركة من المحتلين، فأطلق عليها "الديمقراطية الرثّة". والذين قاموا بإفراغ مخازن الدولة الضخمة وهم مجموعات منظمة ليتحولوا لكيانات "سياسية" ذات حماية تنفذ خططها. والكيانات التي سميت بـ"السياسية"، لم تكن موجودة قبل الاحتلال، لذا نشأت دون أهداف أوبرامج، وساعدتهم دولة الاحتلال بمليارات الدولارات تحت بند "مشروع دعم الديمقراطية" في الوطن.
وغير منطقي التأكيد على عدم وجود أيديولوجيا أو ديمقراطية، ولو نسبية، داخل بعض الأحزاب والكيانات السياسية المحلية خاصة العريقة، ولا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، إلا أن اندماجها بالعملية السياسية التي أسسها الاحتلال، وقبولها مساعدات المحتل وحكوماته المتعاقبة، جعل "المال السياسي"، يرجّح فيها كفّة على أخرى لصالح برامج الجهة أو الجهات المانحة للمساعدات، والتي تتسلمها القيادات التي قبلت بها، مبررة فعلتها بأنها "لغرض البقاء والاستمرارية".
ويمكن القول، إن ذلك ينطبق على بعض الأحزاب العلمانية، إلا أن الأحزاب الدينية والطائفية غير مشمولة بمصطلح "الديمقراطية"، الذي لا تؤمن به، وتعبر صراحة عن ذلك، بأنها تؤمن فقط بما يوصلها إلى السلطة، وليس بالديمقراطية كمنهج وسلوك، يقترن بالحرية وبالعدالة.
ولما كانت الأحزاب الدينية، والطائفية خاصة، ضد فكرة الديمقراطية، فإن من المثير للشك والريبة أن تكون جزءا من "العملية الديمقراطية"، إلا إذا كان الهدف من ذلك شيئا آخر، هو على الأرجح ميلها لفرض "دكتاتورية الأغلبية" الطائفية، التي تتيحها العملية الديمقراطية، لاسيما مع عدم وجود قانون للأحزاب والمنظمات، يفترض، حسب الدستور، أن يمنع النهج الطائفي.
وتثار حاليا مسألة وجود مثل هذا القانون التي يعتبرها الكثيرون "مصيرية"، إذ لا توجد لهذه الأحزاب أنظمة داخلية، ولا برامج سياسية، ولا سجلات للأشخاص، أو للحسابات والموارد المالية والمدفوعات، علما أن الأحزاب في العالم تعتمد بالأساس على اشتراكات أعضائها، ثم التبرعات التي تجمعها من "أصدقاء ومؤيدين" معروفين، في حين تدفع الأحزاب في العراق رواتب ومخصصات لأعضائها وأنصارها ومؤيديها، وتعدهم بالوظائف والمناصب، وما إلى ذلك من منافع شخصية، من دون معرفة مصادر تمويلها، وتشغيل صحفها وفضائياتها ومقارها ونفقات الدعاية والإعلان والسفر إلى الخارج، وغير ذلك من نفقات مليونية.
وتتجسد "الديمقراطية" و"الحرية" و"دولة القانون"، وغيرها من مسميات، بمسمى رئيسي "مجهول"، الذي نسبت إليه مسؤولية قتل زهاء 350 صحفيا وإعلاميا، وآلاف العلماء والمثقفين والأساتذة الجامعيين والضباط، وغيرهم، و"الديمقراطية الجديدة"، قد تكون من مبتكرات هذا "المجهول".
الجزائر - السلطات المنظمة للانتخابات تتلاعب بالنتائج

يعتقد جزائريا وعلى نطاق واسع بأن الانتخابات التي نظمها وأشرف عليها النظام من خلال وزارة الداخلية والجماعات المحلية خلال الـ20 عاما الأخيرة، هي أكبر كذبة تحاول الطبقة السياسية تصديقها دون جدوى منذ دستور 23 فبراير 1989 الذي أتاح التعددية السياسية .
رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لحما ية وترقية حقوق الإنسان، المحامي فاروق قسنطيني،يؤكد أن التلاعب بنتائج الانتخابات التي تجريها السلطة يعتبر قاعدة شبه مطلقة، واللجنة التي أشرف عليها لم تتوقف عن توجيه تقارير إلى رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، ولكن لا حياة لمن تنادي .فتحقيق الأهداف السياسية في أعلى هرم السلطة ،أكبر بكثير من الشفافية والتي قد تحمل مفاجآت غير سارة لنظام يعتبر الصندوق عدوه الأول.
ومنذ عام 1996 شرع النظام الحاكم في ممارسة الإقصاء لكل من لا يوافقه في سياساته المنتهجة، وعملت المؤسسة عبرالاستخبارات، على تدبير انقلابات داخلية بيضاء على رؤساء الأحزاب المعارضة وكان الأول سنة 1996 .
وسمي "الانقلاب العلمي" ضد الأمين العام الأسبق لجبهة التحرير الوطني عبد الحميد مهري، ونجح النظام في إبعاده . وبعد وصول الرئيس بوتفليقة إلى الحكم عام 1999 مارس لعبة إضعاف وتجفيف الطبقة السياسية ، وحول جميع الأحزاب إلى أجساد خاوية همها الوحيد مساندة الرئيس مقابل مغانم ظرفية .
نتائج محسومة
المعطيات تؤكد أن عملية الانتخابات منذ 1992 كانت مزورة ونتائجها محسومة لجهة معروفة سلفا ،كالرئاسية عام 1995 ورتبت نتائجها لصالح الجنرال اليامين زروال ،فأقصي المرحوم محفوظ نحناح من التيار الإسلامي ،وزعيم التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية الليبرالي سعيد سعدي "من أصول بربرية امازيغية"،والوزير الأسبق للتجارة والصناعة الليبرالي نورالدين بوكروح .
وكان التزوير والتلاعب بالنتائج مصير كل العمليات الانتخابية منذ 1997 حيث لجأ الجنرال اليامين زروال مدعوما بمستشاره للأمن الجنرال محمد بتشين إلى تأسيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي بداية 1997 والذي فاز بأغلبية المقاعد في البرلمان . وكان ذلك أول درس لكل زعيم حزبي أو سياسي يحاول شق عصا الطاعة على النظام العسكري الذي يحكم من وراء حجاب.
و سباق الرئاسة عام 1999 شارك فيه مولود حمروش ، والدكتور احمد طالب الإبراهيمي وحسين آيت احمد زعيم جبهة القوى الاشتراكية والمجاهد الدكتور يوسف الخطيب ، والقيادي الإسلامي عبد جاب الله ، والمفاجأة كانت غريبة ، حيث انسحب الجميع قبل يوم واحد من الدور الأول للانتخابات، وأصبح بوتفليقة الحاكم حتى اليوم ،دون ضوابط سياسية أو اقتصادية أو حتى أخلاقية ،ليتأكد أن الحكم المطلق مفسدة كبرى.
ويكشف محمد صديقي، رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات، الذي قاد عملية مراقبة الانتخابات التشريعية والبلدية التي جرت في العام الماضي، أن السلطة كانت وفية لسنة التزوير التي دأبت عليها لعقود، وقد راسلت الرئيس بوتفليقة في الموضوع، وكانت النتيجة لا حياة لمن تنادي. واللجوء للرئيس لرفع مظلمات كثيرة جاء بعد أن سدت وزارة الداخلية كل السبل وضربت عرض الحائط بجميع الالتزامات الخاصة بمنع التزوير. واللجوء إلى الرئيس كان "إبراء الذمة" أمام الله والتاريخ.





