أن تكون في فلسطين فالأمر يختلف عن أي مكان في العالم، لأن التنقل والسفر بين القرى والمدن، يمر عبر حواجز اسرائيلية ثابتة، وأخرى يسميها المواطنون "طيارة"، لا تعرف مكانا معينا ولا ترتبط بزمان محدد. وجنود الاحتلال الذين يصنعونها لا يملون القول "هويااااااة" عند إيقاف كل سيارة، ولا أحد يستطيع مغادرة بيته دون حمل الهوية التي تثبت شخصيته ومكان اقامته، حتى لو كان سفره بضعة كيلومترات فقط .
المواطنون عَبروا لـ"البيان" عمّا يعتمل في صدورهم من معاناة يومية، وفظاظة يمارسها الجنود تجسد الهوى والرغبة الدفينة، بل والتلذذ في إهانة من يصلون إلى الحواجز العسكرية. وعند اطلاعهم على هوية كل قادم لحظة الدخول أو الخروج، تتابين المشاعر بين الفعل ورد الفعل، لما تمثله العملية من إذلال وإهانة وانتهاك للكرامة، وفي المقابل أمنيات بإزالة حواجز الاحتلال وكل توابعه وملحقاته. وبالرغم من أن الفلسطيني عند الحواجز لا يملك مخالفة أوامر جنود الاحتلال، إلا أنه يقدم هويته كرهاً لا طوعاً، فالمرارة تعتصر قلبه لأن الحواجز تشكل خطورة بالغة، وإذا تحدى أي شخص الأوامر، فإن عناده سيعرضه لخطر القتل أو الضرب أو السجن .
تقول الطالبة الجامعية أمل حمدان "بعض التجارب خلتني أفكر في كل الظلم والاستبداد وعدم الإنسانية الي عم نتعرضلوا، وبكون أسال في حالي على الحاجز ليش هو عم يسأل عن هويتي! مين هو أصلاً! ليش أنا ما بقدر أحكيلوا لا ما بدي أعطيك... في النهاية بحكي لحالي خدي الهوية وإمشي يا بنت أحسنلك ".
خليل الأطرش اعتقل ذات مرة فحكى " بالنسبة لي أن يطلب الجندي هويتي فهو أمر غير عادي لكنه بات مفروضا علي وأشعر بالغضب والكره وما يزعجني أكثر، هو الى متى ستبقى هذه الحواجز، وسأبقى مرغما على إبراز هويتي حتى أعبر".
غربة وطن
وأوضحت حنان دويكات أنها تشعر بغربة كبيرة رغم أنها تعيش في وطنها، وتسافر يوميا داخل حدوده، هناك مشاهد تجعلني كئيبة دائما عندما أشاهد كبار السن على الحاجز وهم يصطفون لتفتيشهم، ومعاناة المرضى وهم ينقلون من سيارة اسعاف إلى أخرى، وبعضهم على فراش الموت. وقالت "أشعر انني سجينة فاقدة الحرية في وطني، ويداهمني إحساس بالمذلة والحزن الشديد، عندما يطلب مني أحد الجنود ايقاف سيارتي عند حاجز ويسألني عن هويتي" .
الصحافي محمود القدومي الذي يدفعه عمله للتنقل لأكثر من منطقة يوميا، والمرور بأكثر من حاجز وإبراز هويته أكثر من مرة يوميا يؤكد " الحاجز يعني تحكم الاحتلال في عبور الناس إلى تلك المنطقة أو عدمها، رغم أنها أرضنا، وذلك يعني استفزازا لي بعنصرية وعنجهية غريبة" .
ويشير المواطن عماد كميل إلى معاناته اليومية على حاجز شافي شمرون وزعترة، حيث يتردد إليهما كثيرا بسبب عمله وعبوره من جنين الى رام الله أو إلى نابلس "عندما يطلب الجندي هويتي، يشعرني بمصادرته لحريتي وأنا في وطني، وبالذل القاتل في دواخلي، وأكثر من مرة استوقفوني على الحواجز، فتملكني احساس بالغبن وليس الخوف، فكيف نمشي على أرضنا وليس لدينا سلطة عليها".
ويروي اسلام زيد عن احتجازه لمدة 6 ساعات تحت الشمس. "وأول ما يجي الجندي الاسرائيلي ويطلب هويتي بحس أول شي كرامتي صارت بالأرض ولما اهز راسي وأمد إيدي ع جيبتي عشان اطلع الهوية، بحس انو الهوية مش راضية تطلع، ومرات بقول في داخلي لازم أموت وما اعطيه الهوية". وتعبر وردة خليل عن غضبها قائلة "أكيد كل واحد بعيش بها الوطن، وقف على حاجز واتفتش، وهنا اسأل ليش انا بتفتش في بلدي كل ما تنقلت من مدينة لأخرى، وهالشي ما بصير ولا بمكان في العالم إلا عنا".






