مع دخول الثورات عامها الثالث، وبعد نجاحها في إسقاط رموز الأنظمة " وليس السلطة نفسها" عربيا، دون بلوغ النهاية التي لأجلها نزل الملايين وسالت الدماء في سبيل تحقيقها، تنشغل الأوساط السياسية والنخب الثقافية لتحليل ماهية الثورات ومستقبلها.
والسؤال الأبرز الذي يرتسم اليوم يتعلق بمستقبل صانعيها، وهم الشباب، وعن مصيرهم ، هل هم أسيادها أم ضحاياها؟ وهل أوجدوا جلادين جددا استغلوا طاقاتهم ، وحصد ما زرعوه بدمائهم ؟ أم أنها محطة في مسار نضال طويل لن يستكين معه الشارع ، وسينتفض الشباب مرات أخرى حتى يبلغوا أهدافهم المرسومة وهي: العمل، والحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية.
السياسي والأستاذ الجامعي اللبناني فواز طرابلسي يؤكد أن الإجابة على التساؤلات تتطلب أولاً تعريف الثورات والتي تعكس استحالتين: حكام لم يعد بإمكانهم الاستمرار في الحكم، وشعوب لم تعد تطيق حكمهم، ما أدى لتغيير جذري في العلاقة بينهما.
ولسنا نتكلم عن أفراد بل عن منظومة سلطة، فهي ثورات لم تخف أسبابها: البطالة، الاستبداد، الفوارق الاجتماعية، امتهان كرامة المواطن. وجهرت بأهدافها: عمل، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية.
إنها الموجة الثالثة من "المقاومة العربية للنيوليبرالية" في ظل أنظمة استبدادية زاد منسوب قمعها مع سطوة العولمة، وفرض النيوليبرالية تدريجياً على المنطقة، وتقلّص تقديماتها لشعوبها في المجال الاجتماعي.
حصلت الموجة الأولى في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، وأبرز معالمها انتفاضة الخبز في مصر وانتفاضة "الحيطيين"، الشباب العاطل عن العمل، في الجزائر. أما الثانية ففي التسعينات ومنها الانتفاضات المغربية، والاردنية، والتونسية، والمصرية، وانتفاضات الخبز في المدن اليمنية، الخ.
وفي الموجة الثالثة، انطلقت الثورات من معارضة رفع الدعم على المحروقات والسلع الغذائية، أو ضد ارتفاع كلفة المعيشة إلى أن وصل الحراك، نظرا لردود افعال السلطات القائمة، إلى طرح التغيير السياسي الجذري بواسطة إسقاط النظام.
أن اهتراء شرعية الأنظمة في الشأن الوطني وما تقدمه من خدمات اجتماعية ، دفع إلى الواجهة مأساة جيل الشباب، في منطقة تحمل رقمين قياسيين عالميين: أعلى نسبة بطالة وكذلك أعداد الشباب مقارنة بمجموع السكان، وما يستتبعه من ارتفاع البطالة بين الشباب وليس المتعلم فقط.
وإن كانت النسبة بين الخريجين عالية جدا، وذلك ما يفسر الحضور الوازن لهم في الثورات. والسؤال الكبير أي اقتصاد من شأنه تأمين احتياجاتهم ؟ قطعاً ليس الاقتصاد الحالي. والسؤال الأكبر: أي ثورة سوف تفتح الآفاق لهم؟"
وبالطبع لابد من التفاؤل بمستقبل الثورات والشباب معاً ، خاصة وأي فريق يستلم السلطة في مرحلة جديدة، سرعان ما ستقوم الناس ضده وتعاود الاحتجاج عليه تحديداً بسبب الوضع الاقتصادي.
وما استقبال الناس للرئيس التونسي المنصف المرزوقي في سيدي بوزيد بالأحذية إلا الشاهد الأكبر على ذلك!! ويختم طرابلسي حديثه بالتأكيد على أنها ثورة شباب أولاً. وهاهم يعودون بأشكال احتجاجية أو تنظيمية مختلفة في بلدان عدة، ما يجعلنا نحدس بأن موجة ثانية من الثورات قادمة.
