لا يهاجر العربي من وطنه لكنه يهاجر به، يحمله في القلب، من قلبه يتنفس هواءه رغم آلاف الاميال، يعيش نبضه لحظة بلحظة، ويظن البعض أنه عندما يهاجر من وطنه كافرا بحياته فيه، فذلك لما يعانيه من منغصات، وما أن يبتعد عنه يزداد قربا لأنه يعيش في وجدانه وفي كل خلجة من خلجاته، اذ لا يكتفي العربي بالوطن الذي يحمله في قلبه ولكنه يبنيه في عالمه الجديد حيث الاغتراب ولواعج الحنين ومر العذاب، وهنا نستعرض وجها من وجوه الوطن الجديد في المهجر، فللمقهى مكانة خاصة في الوجدان وثقافة خاصة فهو النادي الاجتماعي لأرباب المعاشات وهي جلسات المزاج للعاشقين للشيشة والنميمة ومراقبة خطوات الحسان، وهن يتهادين في طرقات المدينة.

ذهبنا لأكثر الأماكن التي يتواجد فيها المزاج العربي، قبلتنا الأولى كانت حي بروكلين في مدينة نيويورك خاصة الأفنيو الخامس، وهو شارع كبير يتجه نحو مسارين شمالا وجنوبا، تقطعه طرقات صغيرة تتجه شرقا وغربا، ذهبنا نهارا فكانت المقاهي القليلة شبه خالية ومعظمها مغلق لأن أبوابها تفتح مساء وروادها يأتون ليلا. وتتخذ المقاهي والمطاعم في الحي أسماء عربية تحمل نكهاتها وتفاصيل حياتها، فهناك مقهى عمر الخيام وآخر يحمل اسم ليالي بيروت، ومطعم ومقهى ليالي دبي الأوسع والأكبر.

أحمد من أصول فلسطينية ويمتلك متجرا لبيع المواد التموينية والمأكولات العربية ومستلزمات الشيشة، واكتشفنا ان أغلب من يقومون بشراء الشيشة ولوازمها من الأميركان، ومن الجميل ان الشيشة باتت طريقنا لبداية غزو عربي في بلاد الأعاجم.

شارع أستاين وأي باستوريا كوين، وطن عربي مصغر، وهو قبلة جميع وكالات الأنباء العالمية عند أي حدث يتعلق بالوطن العربي وسمي الشارع باسم هنري أنجل هارد. وجدنا هناك ستاينواي مهاجر ألماني ويعتبر صاحب أشهر وأجود بيانو في العالم، وقام بتصميم أول بيانو في مطبخ منزله، وأسس شركته عام 1853 أستاين واي وولده، وبنى مصنعه في أول الشارع الذي حمل اسمه، ولا أدري هل كان سيساعده غزو المقاهي العربية للشارع الخالي في وجود آلته أو أحد محبيها. والمقاهي العربية في هذا الحي تأخذ أشكالا مختلفة منها التقليدية ،كما في مقهي عمر الخيام حيث الشيشة والمشروبات . صاحبها جمال دويدار الذي يفخر أنه من الرواد في عالم المقاهي بالمهجر، يري أن مقهاه بات مركزا ثقافيا وملتقي الأحبة والأصدقاء وأصبح عنوانا ودليلا للقادمين الجدد.

الأوسع والأفخم

مقهي ليالي بيروت، وصاحبه محمود م لا يفضل كلمة مقهى، لأن المكان يجمع بين المطعم وجلسات الاستمتاع بالشيشة أيضاً، ولا يحلو تناول الطعام دون أنفاس بعده من أرجيلة معمرة. والنموذج الثالث فيتمثل في مقهى ليالي الشرق، الذي يحكي عن تجربة عبد الخالق ، فعندما اشتراه كان مقهى تقليديا فجعل منه ملتقي للشباب من سن الثامنة عشرة حتى أواخر العشرينات، وأضاف اليه الديسكو وموسيقي الشباب والأشكال المتعددة من الشيشه.وعوالم الأنترنت.

أما النموذج الرابع وأحدث الأماكن فهو ليالي دبي، وهو أكبر مساحة وفخامة وتنوعا وقد أصبح المكان المفضل لإقامة حفلات الجمعيات العربية وأعياد الميلاد والمناسبات المختلفة ويتحدث فارس ع المسؤول عنه انه في وقت قصير حقق المكان شهرة واسعة فنحن نقدم للزبون كل ما يسعده من شيشة ومشروبات غير كحولية ومطبخ شرقي يعمل فيه محترفون في الطهي وتصدح في المكان أنغام الموسيقى والغناء الشرقي والغربي بالإضافة لوجود فرق فنية ومطربين وراقصات يؤدون فقرات على الهواء مباشرة، وبعد الجولة الممتعة في كل هذه الأماكن اكتشفنا أن الكرم العربي في بلاد العم سام مجرد أكذوبة فالكل أتى للبحث عن المال لتحسين وضعه لذا قمنا بدفع فاتورة الحساب، والبقشيش أيضاً.