استخدام الصغار والرضع أسلوب استعطاف احترافي

أطفال يحترفون التسول من أجل آبائهم

في الساعات الأولى من صباح كل يوم تتدفق أفواج الطلاب والطالبات في اتجاه مدارسهم بعضهم يذهب راجلاً ، وبعضهم يستغل حافلات النقل المدرسي ،وآخرون على سيارات الأقارب التي تقلهم إلى وجهاتهم المدرسية ،غير أن أطفالاً آخرين ذكوراً وإناثاً ليس بوسعهم إلا أن يراقبوا ذلك المشهد الصباحي المتكرر ،ويتمنون أن يكونوا من بين الذاهبين إلى المدرسة الا أن أوضاع أسرهم الاجتماعية والاقتصادية تجبرهم على البقاء في تقاطع الطرقات بهدف التسول .

تقول الصغيرة مريم ع أتمنى أن أكون بين الذاهبات إلى المدرسة فأملي أن أصبح دكتورة أعالج المرضى ،لكن أبي وزوجته بدلاً من أن يسجلوني في المدرسة يطلبون مني الذهاب للتسول . ويقول أحمد م"10 سنوات" الذي اعتاد كل صباح أن يكون برفقة أخويه في تقاطع أحد شوارع العاصمة صنعاء من أجل التسول ، أنا من محافظة حجة ، جئت إلى هنا مع عائلتي ، أب وأم وخمسة أخوة هم بنتان وثلاثة أولاد ، وكلنا لم نلتحق بالمدرسة لأن أبي لا يجد عملاً إلا نادراً ، لذلك جئنا إلى هنا من أجل الحصول على المال لنساعد به عائلتنا على دفع ايجار المنزل وتوفير الطعام والشراب .

منظر مألوف

وقد تزايدت في الأشهر الأخيرة أعداد المتسولين من الأطفال بشكل كبير ، وأصبح وجودهم منظراً مألوفاً ، فما تكاد توقف سيارتك عند إشارة المرور حتى تجد نفسك محاصراً من كل ناحية بأعداد من المتسولين بينهم كثيرون من صغار السن إناثا وذكورا لاستدرار العطف ، كماهو حال لبنى التي تتسابق مع آخرين ليس من أجل الذهاب إلى المدرسة ،إنما من أجل أن تستطيل على اقرانها كي تتمكن من إيصال سؤالها إلى ركاب السيارة أو سائقها "لله يامحسنين ".

وتسول الأطفال لا يقتصر فقط على تقاطعات الطرقات ، إنما ينتشر في كل مكان على الأرصفة وأمام المتاجر والشركات والمصارف والمساجد والمظهر وفق رأي الدكتور فؤاد شرهان ان مايحدث ليس سوى تعبير صارخ عن الحالة الاقتصادية والاجتماعية لكثير من اليمنيين .وتشيرالتقديرات الأخيرة إلى ان عدد الفقراء في اليمن تجاوز أكثر من نصف عدد السكان ، وربما تكون الأرقام أعلى من ذلك بكثير ،لأن الإحصائيات المتاحة قديمة أو تقديرية ، فهي لا تأخذ في الاعتبار الاختلالات والاضطرابات التي عصفت بالبلاد في العامين الأخيرين .

ويرى الباحث في علم الاجتماع السياسي الدكتور عادل الحريبي ،أن عوامل عديدة تقف وراء تزايد ظاهرة التسول منها ماهو دائم مثل ضعف الاقتصاد اليمني ومحدودية طاقته الاستيعابية لقوى العمل ، وارتفاع نسبة النمو السكاني حوالي 3% .

ومنها ما هو طارئ كالاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد منذ مطلع عام 2011 ، والمواجهات المسلحة والاضطرابات الأمنية ، وتكرار حوادث السطو المسلح والحرب على القاعدة، وعلى انصار الشريعة في عدد من مناطق البلاد .

وتصاعد احتجاجات الحراك في الجنوب وتمرد الحوثيين في الشمال ، وانتشار جرائم السطو المسلح .وكل ذلك شكل ضغطا وضاعف من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين وأدى إلى نزوح العديد من الأسر من مناطق المواجهات المسلحة إلى المدن الرئيسية .

نازحون بالجملة

وتشير آخر تقديرات برنامج الغذاء العالمي إلى أن أعداد الأسر المسجلة بين النازحين والمستفيدين من الحصص الغذائية للبرنامج في محافظات أبين في عدن، وحجه وعمران في صنعاء، بلغ 32 ألفا و181 أسرة، بإجمالي 262 ألفا و144 فرد ، غير أن هناك أعداداً من الأسر نزحت إلى مدن ولم يسجل أفرادها في كشوفات المستفدين من العون الغذائي .

ويرى حمود حنيش مرشد اجتماعي : أن التسول ربما يكون ناتجا عن الفقر لكن ليس في كل الأحوال فبعض الأطفال المتسولين يقومون بعمل لصالح آخرين يدفعونهم إلى هذه المهنة ،لأنها تدر عليهم دخلاً أكبر من لو أنهم تسولوا بأنفسهم ،ولأنها خير وسيلة لتفادي الحرج ،وتجنب نظرات الإزدراء ، والتسول بالطفل والرضيع وسيلة استعطاف وأسلوب احترافي يجعل من التسول بالأطفال مهنة مدرة للدخل .

في كل الأحوال الضحية هي الطفولة ،فالصغير أو الصغيرة الذين يدفع بهم للتسول نيابة عن الكبار إلى جانب أنهم يحرمون من حقوقهم في التعليم يقذف بهم إلى المجهول في الشارع ليكونوا عرضة للأذى البدني والمعنوي ومعايشة القسوة اليومية ما ينعكس على حياتهم حاضرا ومستقبلا .

طباعة Email
تعليقات

تعليقات