عندما تقرأ إعلاناً عن إقامة حفلة زار في أحد المراكز لن تتخيل أنك ستكون من المعجبين بذلك الفن الغريب، وعندما تصل إلى المكان معتمداً على الأفكار والصور، مستحضراً بعض لقطات ومشاهد من أفلام قديمة والإنس والجن والتعويذة وإخراج الجن، ومنظر الدماء المتساقطة والحركات والتعويذات المخيفة ورائحة البخور والإضاءة الحمراء المرعبة وسقوط المشعوذين بعد انتهائهم من وصلتهم.

لقد سقطت كل المعتقدات عند بدء الحفل، والديكور يحاول العودة بالزمن عبر إضاءة خافتة وشقوق مصطنعة على الحوائط وكراسي متهالكة، وجهاز راديو يعود لخمسينات القرن الماضي، ورغم ذلك فخيبة الأمل ستصيب الجميع لعدم وجود بخور وحيوانات مذبوحة وفق المعتقد والمتخيل.

المركز المصري للثقافة والفنون يقيم أسبوعياً حفلاً يبدؤه عازف بقيثارة قاربت الانقراض، وسط هدوء وترقب من أجانب تجد نفسك غريباً بينهم؛ فغالبية المصريين لا يتخيلون أن هناك حفلات زار تقام على أرض الواقع، لأنه مجرد طقس ودراما خيالية في الأفلام السينمائية.

ومع عزف القيثارة والناي تظهر سيدة بملامح سمراء تحيي الحاضرين الذين يعرفونها فتبدأ الغناء بترانيم وأغانٍ بلهجة نوبية على خلفية آلات موسيقية بدائية ونادرة كالأرجولة والدفوف المصنوعة من الجلود الطبيعية والمزاهر، وسط تفاعل الجميع معها تمايلاً وترديداً للترانيم وكأنهم يحفظونها عن ظهر قلب.

ومع انتهاء الجزء الأول من الحفلة وذهاب الجميع لشرب الشاي والكركديه، تبدأ عملية انتظار الجزء الثاني وسط تمنيات أن يكون من دون جن ولا عفاريت حسب الاعتقاد، وأن تنساب نغمات الموسيقى الرائعة متناغمة مع صوت الست «مديحة» القوي وسحرها وجاذبيتها وابتسامتها البريئة، ورشاقتها في أداء الرقصات رغم وزنها الثقيل.

وبعد انتهاء الحفلة وما أعقبها من تصفيق حار من الحضور، سألت أحد السائحين عن الذي أعجبه في فن الزار؟ فرد أعشق صوت الست مديحة بأدائها الرائع، والموسيقى الروحانية التي تشعرني بالراحة، اندهشت لكلامه الذي دفعني للالتقاء بالست مديحة، وفي ذهني أسئلة حائرة، أين الجن والعفاريت والبخور والدماء؟.

تقول الست مديحة «أم سامح»، وهي فنانة الزار الوحيدة في مصر: «إن هذا الفن تعرض للأسف لعملية تشويه من خلال الأفلام السينمائية، ولأنه يعتمد على الآلات الموسيقية النادرة كالقيثارة والأرجولة ومزجها بالزار الذي ورثت إبداعه والحرص على نشره والحفاظ عليه من أجدادي وآبائي، وتقول: «أتحداك لو قلت إنك لم تشعر بالراحة والسعادة وأنت تستمع للأغاني».

فهذا الفن قديم جداً وأصوله فرعونية وإفريقية وتوارثته كذلك من الأحياء الشعبية في السودان والنوبة وحفظته واستوعبته، ورغم أنني من مواليد القاهرة، فجذوري سودانية وما أقدّمه فن مصري عربي أصيل، ومن حملوا رأيته توفاهم الله ولم يبقَ سواي «موسيقى الزار ستموت بموتي». وحاولت أن أقوم بتعليم تلك الترانيم والأغاني لأبنائي، لكنهم لم يفهموها لصعوبة اللهجة والكلمات والإيقاع والرقصات.

وعن الجمهور تقول «أم سامح» من المصريين قليل جداً، فغالبية جمهوري من السياح الأجانب، وهذا ما دفعني لإحياء العديد من حفلاتي في أوروبا، حيث ذهبت إلى إسبانيا وألمانيا وأميركا وبلجيكا وإيطاليا وزرت فرنسا تسع مرات، والجمهور الأوروبي متعلّق بفني جداً ويطلبون مني إعادة الأغنيات مرات عدة، وبات الجمهور يستوعب الأغاني، بل إن البعض يحفظها ويرددها معي.

«أم سامح» فازت بالعديد من الجوائز في المهرجانات الدولية باسم الفن الشعبي في مصر، وتشكر مؤسس ورئيس الفرقة والمركز المصري للثقافة والفنون الدكتور أحمد المغربي الذي ساعدها على الحفاظ على فنها ونشره في الخارج.

مؤسس المكان منذ ثلاث سنوات، وأطلق عليه اسم «مكان» دكتور المغربي، يقول: أحمل على عاتقي هذا الإرث الفني وأسعى للحفاظ على الفنون النادرة لتقديمها بشكل جديد والبحث عن حلول إبداعية وموسيقية جديدة.

 وأنتقد تناول التلفزيون والسينما لكل فنان يرتدي جلباباً بالسخرية والتشويه. ويخشى على فن الزار من الانقراض لعدم وجود أي فنان آخر سوى الست مديحة، رغم أنه لا يعرف أصل هذا الفن فقد يكون فرعونيّاً أو إفريقيّاً.