لعل الصدمات الاقتصادية المتكررة التي تعرض لها العالم بشكل عام في الآونة الاخيرة لم تنحصر تأثيراتها على الدول الكبرى فقط وشركاتها ، بل انعكست على الدول التي لا تزال ترزح في براثن الفقر والعوز والحاجة، وكان الفقراء واصحاب الدخل المحدود هم الضحية الكبرى لتلك الصدمات الأمر الذي أثر حتى على القيم الانسانية التي كانت راسخة في المجتمعات البشرية بطبيعة الفطرة ،ليصبح خطر انقراضها ، هاجسا يؤرق كاهل الحكومات والمجتمعات على حد سواء.
يقول رئيس حزب الوسط الاسلامي الداعية يوسف الكودة ان التكافل قيمة دعا اليها الشرع وحث عليها في كثير من النصوص الدينية باعتباره عملية استدراك لقصور الانظمة والحكومات ،فيما عليها من واجبات تجاه الافراد، واعتبر قيمة مطلوبة ويشتد الطلب اليها في المجتمعات التي تعيش ظروفا من الفقر والحاجة والعوز، وعلى الناس معرفة الاجر العظيم له، كعبادة افقية تختلف عن العبادة الرأسية حيث لا ينحصر الخير فيها الى العابد وحده بل يتعداه الى آخرين، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم دعا للتراحم بين الناس بقوله"أحب الناس الى الله أنفعهم ،وأحب الاعمال الى الله سرور تدخله على مسلم ،أو تقضي عنه دين ، أو تطرد عنه جوع ،ولإن أمشي مع أخي في حاجة أحب اليّ من أن أعتكف في المسجد شهرا"وعليه فهو عبادة عظيمة لها ما بعدها من اصلاح لحال المجتمعات.
ويرى الخبير الاقتصادي دكتور محمد الناير ان المفهوم يعتبر قيمة أصيلة في مجتمعنا رغم المتغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وذلك يعود إلى طبيعة المجتمع نفسه التي جعلت من النفرات او "النفير" مهرجانا يتجمع خلاله الناس في الأحياء والقرى من أجل ان يشيدوا منزلا لأحد الأفراد ،أو المشاركة في الحصاد بمناطق الزراعة تقليلا لتكلفة البناء ما يجعل"النفير" قيمة مميزة".
وعلى مستوى الدولة تطلق بعض الولايات نفيرها لدعم المتضررين جراء السيول والامطار لتخفيف معاناتهم ماديا ومعنويا، وهناك أيضا التعاضد في الأفراح والأتراح بدعم أهل العرس أو العزاء عبر صناديق يقوم بها افراد او جمعيات حيث تجد " الكشف" وهو مصطلح يطلق على دفتر المساهمات من الأقارب والأصدقاء.
ولاشك ان الادوار التي تلعبها جمعيات دعم الأيتام والأسر الفقيرة وما يقوم به ديوان الزكاة ،يمثل اسهاما في إخراج الكثير من الأسر من دائرة الفقر . وبجانب الأثر الاجتماعي لتلك القيم فأنه يؤثر على الاقتصاد الوطني عبر تخفيف الضغط على الموازنة العامة للدولة .
وبالطبع فإن الظروف الاقتصادية وإنحسار الطبقة المتوسطة أثر كثيرا على قيم التكافل . والأجيال الشابة من رجال الاعمال والاغنياء أصبح مايقدمونه أقل كثيرا مقارنة بالرعيل الأول الذي أسس المرافق الخدمية كالمدارس والمستشفيات وغيرها ، ولابد من الإشارة إلى المسؤولية الاجتماعية للشركات الكبيرة من خلال اسهامها وما تلعبه تجاه المحتاجين.
الدعم لمستحقيه
ويرى رب الأسرة ربيع أحمد مصطفى ان العبء الأكبر في إحياء القيم الفاضلة في ظل الظروف الاقتصادية الطاحنة يقع علي الدولة ومؤسساتها ، فالكثير من المؤسسات والمنظمات الحكومية تنشط في اعمال التكافل خلال شهر رمضان ،وما ان ينتهي حتى تختفي ، فلماذا لا يستمر ذلك طوال العام؟.
ورغم الجهود المبذولة من الصناديق التكافلية ،الا أن فجوة الفقر لا تزال شاسعة ، بل تزداد في كل يوم جديد ، فهناك من يسألون عن لقمة عيش تسد رمقهم ، ما يفرض على مواعين الزكاة أن توزع الأموال حسب الشرع ليصل الدعم لمستحقيه مع ضرورة السعي لاقامة المشاريع التي تقضي على الفقر لا مكافحته فقط.
