مصرالتي خرجت من ثورة أطاحت برأس النظام السابق، وتسببت في حالة من عدم الاستقرار الأمني والسياسي، أفرزت تبعات سلبية على الحالة الاقتصادية، ما أدى إلى انقطاع أعمال وأرزاق أسر كثيرة، عانت الحاجة وشر السؤال، فيما راح المستفيدون يحصدون ثروات هائلة ليحافظوا على مكانتهم وأوضاعهم المالية، فعزز ذلك الطبقية، إحداها فقيرة تكافح من أجل الحياة والبقاء، وأخرى غنية تسعى للمزيد، ماجعل "التكافل"أملا يرسم خطوطه على طبيعة العلاقة بين الطرفين خلال شهر رمضان تحديدا، فأوجد فرصةلخلق توازن حياتي.
ومع تسيد التيارات الإسلامية في مصر، انتعتشت آمال الفقراء في امكانية تعزيز ودعم قيم التكافل واستمراريتها دومًا وعدم انقطاعها عقب انقضاء رمضان، وذلك في ضوء تأكيدات من القيادات السياسية الجديدة بتحقيق العدالة الاجتماعية.
وتكفي هنا الإشارة إلى ان المصريين ووفقًا لآخر إحصائية رسمية صادرة من مركز معلومات مجلس الوزراء ينفقون نحو 4.5 مليارات جنيه على أعمال البر، خاصة في رمضان حيث موائد الرحمن،التي يصل الصرف عليها200 مليون جنيه سنويًا .
والإسلام باعتباره منهجا شاملا ينظم كافة شؤون الحياة،فأن الاقتصاد يعتبر جزءا أصيلا لا يتجزّأ من هذه المنظومة القائمة على عقيدة التوحيد، ولما خلق الله عز وجل الإنسان كلفه بعبادته، وكفل له "العمر والرزق"،وأوجد نعمة عظيمة هي فريضةالزكاة.كأبرز مواعين التكافل التي نص عليهاالإسلام.
يقول المحلل الاقتصادي الدكتور عبدالحافظ الصاوي،تعد الزكاة من أبرز الأدوات التي نص عليها الإسلام من أجل إحداث التوازن بين الأغنياء والفقراء، في مجتمع سليم يراعي حقوق الفقراء والأغنياء معا، فلو أن كل غني كفل فقيرًا ما بقي على الأرض محتاج،وما نام فقير جائع إلا بسبب غني لم يخرج زكاته، وكلها قيم اقتصادية رائعة،يجب أن تتحقق في دولة دينهاالإسلام.
دعم التنمية
ويشير أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الشريف،الدكتور صبري عبدالرؤوف، إلى أن التكافل يدعم التنمية المجتمعية في أي دولة، ويظهر ذلك بصورة كبيرة في شهر رمضان.والمطلوب الآن أن يستمر هذا النهج على المنوال نفسه طوال العام، لندعم ونعزز العلاقات بين جميع فئات البشر. وحتى نتخطي الأزمات الاقتصادية ونقلل من نسبة الفقر والمحتاجين، ولن يتأتى ذلك أيضا الا بضرورة الالتزام بصرف الزكاة في مصارفها الشرعية.
وخير الزكاة لا يقتصر على المسلمين وحدهم، فمن الممكن أن يحصل عليها المسيحيون أيضًا ما يجعل من قيمتها هدية للبشرية جمعاء في أي دولة وفي ظل أي نظام إسلامي، وسوف يعزز ذلك إمكانية التصدي لتردي الأحوال الاقتصادية ، خاصة عقب الثورة والتحولات التي شهدتها ،من خلال استخدام هذا الحل السحري في التكافل بين المواطنين بغض النظر عن دياناتهم. بالإضافة إلى آلية "الوقف"وهي إحدى أهم الآليات في هذا الاتجاه أيضًا.
تطهير الأموال
وتقول أستاذة علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس، الدكتورة مني الفرنواني، إن التكافل آلية من آليات إحداث التوازن داخل كل مجتمع بين الفقراء والأغنياء، وهو وسيلة يستخدمها الأغنياء لتطهير أموالهم كسبا لرضا الله، ومضاعفة أعمال البر والتقوى ،وتقديم التبرعات الخيرية بصورة كبيرة خلال شهر رمضان المبارك، مع عدم التوقف عنها بعد ذلك، رغم ادراكنا ان رمضان شهرالروحانيات الذي تكثر فيه البركات، وزيادةأعمال الخير،لتأكيدالتكافل والتكاتف فيالاجتماع. وبالطبع فأن فلسفة الأغنياء في التعامل مع فكرة التكافل يحددها البعد الديني والمجتمعي.
آليات إسلامية
ويشير القيادي بحزب النور المصري المهندس محمود عباس، إن الآليات الاقتصادية الموجودة حاليًا في المجتمع بعضها ربوي، وبعضها يسهم في تهميش الفقراء، ويجور على حقوقهم، ومن ذلك منظومة الضرائب في مصر، والتي تُطبق على الفقراء بصورة أكبر، فيماهناك تمييز واضح لأوضاع الأغنياء. وعليه فمن الضروري أن يتم تبني نظام قوي يطرح بدائل إسلامية تراعي البُعد الحضاري للعدالة الاجتماعية.
وهو بعد مهم وخطير جدًا، طالب به المصريون في ثورة 25 يناير وبقوة،نظرا لغيابه طيلة عهد النظام السابق، وهو حق أصيل للمواطنين جميعهم، ويجب دعمه، وقد نص عليه الإسلام، كما نص على ضرورة التكافل الاجتماعي بين الفقراء والأغنياء من خلال جملة من الآليات مثل الزكاة والصدقات، والتي تذيب الفوارق الطبقية وتسهم في إثراء العلاقات بقيم الحب والإخاء والرضا.
قواعد الحوكمة
ألزمت قواعد الحوكمة التي يعمل وفقًا لها عدد كبير من الشركات المصرية المؤسسات المختلفة والشركات المنضوية لها بضرورة "المسؤولية المجتمعية"، سواء كانت لأعمال التكافل، أو المحافظة على البيئة أوغير ذلك، إلا أن خبراء الاقتصاد في مصر يؤكدون ان حداثة عهد الشركات المحلية بالحوكمة وقلة عددها ربما يحول دون تنفيذ فكرة الدعم على الأقل في الوقت الراهن بتطبيقها.
