حين قرّر نضال درويش وخلود سكرية أن يعقدا قرانهما مدنيا على الأراضي اللبنانية، لم يخطر على بال أي منهما، أن زواجهما سوف يتصدر عناوين الصحف، ويصبح خبرا أولا في المحطات التلفزيونية والإذاعية، بعدما تحوّل لمادة خلافية جديدة بين أبناء الطبقة السياسية.
لم يفكرا للحظة واحدة أن مفتي الجمهورية محمد رشيد قباني سيصدر فتوى تكفيرية، وهي الأولى من نوعها في تاريخ لبنان، تعتبر أن كل مسؤول مسلم يوافق على تشريع وتقنين الزواج المدني، هو مرتد وخارج عن الدين الإسلامي.
هذا ما أكداه في حديثهما لـ"البيان" وأوضحا أنهما أرادا بكل بساطة أن "يتزوجا مدنيا عملا بقناعتيهما الشخصية ودون تحد لأي مرجعية دينية أو طائفة أو مسؤول". وأرادا إتمام الزواج في بلدهما وليس في قبرص أو تركيا لأن هذا من حقهما ومن حق أي مواطن يحمل القناعات عينها.
عدم اعتراف
والزواج المدني، وهنا المفارقة، غير معترف به في لبنان إلا في حال إتمام موجباته في الخارج. انه تناقض يحمل في طياته انتقاصاً من السيادة اللبنانية، ليس لسبب سوى الخوف من إثارة رجال الدين في بلد تتناحر فيه 18 طائفة.
اتخذ نضال وخلود قرارهما بمواجهة الدولة ووضعها أمام مسؤولياتها. بحثا في القوانين اللبنانية بمساعدة مدير المركز المدني للمبادرة الوطنية، طلال الحسيني فوجدوا القرار رقم 60 ل.ر الذي أصدره المفوض السامي للانتداب الفرنسي على لبنان الكونت دي مارتيل عام 1936 وينص على أن من لا ينتمي إلى طائفة ما، يخضع في أحواله الشخصية للقانون المدني.
ونضال وخلود لا ينتميان إلى طائفة، لأنهما عمدا لشطب المذهب عن قيدهما، استنادا إلى القرار الذي اتخذه وزير الداخلية السابق زياد بارود في 21 الأول أكتوبر عام 2008 حول حقّ المواطنين بشطب المذهب، عن إخراج القيد ومن السجلات، بناء على دراسة قانونية أعدها الحقوقي طلال الحسيني.
شطب نضال المذهب عن قيده اعتبارا من عام 2009 حتى قبل أن يفكر في الارتباط. ويقول "كنت أمارس قناعة شخصية، ولم يكن الهدف تحقيق غاية آنية هي الزواج".
عقد القران مدنيا، وانتظر العريسان تسجيل زواجهما في دائرة الأحوال الشخصية في وزارة الداخلية، وهذا من حقهما، كما يؤكد نضال، "لأن أوراقنا قانونية، ولا يحق لأحد أن يعترض على خطوتنا، إلاّ في حال ثبت عدم قانونيتها، واننا واثقون من قانونيتها والتي استغرق التحضير لها سنة كاملة". غير أن زواجهما فجر قنبلة سياسية في البلاد، كادت أن تهز أركان "التوافق الوطني" المصدّع أصلا، وأصبح الزواج قضية سياسية بامتياز في زمن قرع طبول الانتخابات النيابية.
تغريدة جريئة
بدأت القصة بتغريدة لافتة وجريئة لرئيس الجمهورية ميشال سليمان على موقع تويتر دعا فيها الى "العمل على قوننة عقد الزواج المدني الذي يشكل خطوة من خطوات إلغاء الطائفية وتعزيز العيش المشترك"، ردّ عليها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي مغردا أن "أولوية المرحلة لا تسمح بفتح مواضيع سجالية وخلافية جديدة".
لم يشتعل تويتر فحسب، بل اشتعل البلد بكل أطيافه ومكوناته المدنية والطائفية، وبدأت حرب التصريحات والأخرى المضادة. ومن التغريد على توتير، إلى المساجلة في مجلس الوزراء، ففتوى قباني التي جاءت كمن يصب الزيت على النار. و
كان آخر الملتحقين بالركب، رئيس الحكومة السابق سعد الحريري حين فاجأ جمهوره في حلقة تلفزيونية بتأييده الزواج المدني، علما أنه لا يتزوج أو يزوج أولاده مدنيا كما أعلن. الموقف جريء لا شك، وخصوصا أنها المرة الأولى التي يصدر فيها موقف مماثل عن زعيم طائفة. ولكن لهذه الجرأة أسبابها التي تصب في خانة الخلاف المستشري بين تيار المستقبل والمفتي قباني.
موقف مختلف
كثيرون لم يصدقوا موقف الحريري الابن ليس لأنهم قرأوه من زاوية الخلاف بينه وبين قباني فحسب، بل لأن والده الراحل رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، هو من حال دون إقراره عام 1998 عندما طرح رئيس الجمهورية الراحل إلياس الهراوي مشروع قانون الزواج المدني الاختياري للتصويت. تمت الموافقة على مشروع القانون بأغلبية 21 صوتا، ولكن الحريري لم يوقّعه، واعتذر قائلاً "إن ظروف لبنان لا تسمح بذلك الآن".
مضى نحو أسبوعين على عقد قران نضال وخلود مدنيا، ولا تزال البلاد تعيش صخب الحدث. دبت الحركة مجددا في أوصال المجتمع المدني الذي فتح باب الحوارات والنقاشات والاعتصامات من أجل إقرار الزواج المدني الاختياري. وما يجري على أرض الواقع تتردد أصداؤه على صفحات الـ"فيسبوك"، حيث أسس الناشطون صفحة تحت عنوان "تزوجنا مدنيا..
وع قبالكن" تخطى أعضاؤها 11 ألف عضو، وتحولت مكانا لعرض صور المتزوجين مدنيا، وكذلك إبداء الرأي في القضية. وفي المقابل، أنشأ المعارضون صفحة مضادة تحت عنوان "لا للزواج المدني" لم يتجاوز عدد أعضائها 158 عضوا، تعرض لتصريحات وفتاوى شيوخ يعارضون الزواج المدني".
ينتظر نضال وخلود ومعهما آلاف الشبان والشبات الاعتراف بالزواج المدني الاختياري. مشروع القانون موجود ولا يسري عليه مرور الزمن، وكل ما يحتاجه هو إعادة طرحه على التصويت في مجلس الوزراء ومن ثم تحويله على مجلس النواب لإقراره دون أن يصطدم بالعبارة عينها منذ عشرات السنين "ظروف البلد لا تسمح".
