أمام احد مطاعم العاصمة بغداد، وفي وقت متأخر، وقف رجل مسن يحمل "صينية" مليئة ببذور عباد الشمس. استوقف منظر الرجل الطاعن في السن احد زبائن المطعم، فسأله عن سبب بقائه في الشارع حتى هذا الوقت المتأخر، وقد بدا عليه الإرهاق الشديد، فقال له إن عليه بيع كل ما تبقى ليعود إلى بناته الثلاث بما يسد رمقهم.

تروي الإعلامية عدوية الهلالي، أن الرجل تصوّر ذلك نوعا من التنكر في أساليب التسول، فمنح بائع البذور مبلغا جيدا من المال، طالبا منه العودة إلى بناته، لكنه رفض ذلك بشدة، فهو لا يقبل المعونة بهذه الطريقة، ما أجبر الرجل على شراء بضاعته الرخيصة كلها، بنفس ثمنها ـ لا أكثر ـ ليرضي الرجل بذلك حتى لا يخدش عزة نفسه، ما أثار إعجاب المشتري.

مهنة أسهل

لا توجد نماذج كثيرة لمثل ذلك الرجل، الذي فضل العمل حتى وقت متأخر، رغم ان التسول مهنة أسهل، وتدر أموالا أكثر، وفي زمن أقل.

وفي المقابل هناك قصة رجل مسن آخر أنهى حياته متسولا أمام إحدى المقابر، وبعد وفاته عثر أقاربه في أرضية الحجرة البائسة التي كان يسكن فيها، على صفائح معدنية مليئة بالأوراق النقدية، وحتى العملات المعدنية القديمة. ولم يستفد من ثروته لافي مظهره، ولا مكأله ولا في مشربه، لأن التسول كان بالنسبة له أسلوب حياة، ويمكن اعتباره متسولا من النوع التقليدي، على عكس متسولي اليوم، الذين يمارسون المهنة وفق تخطيط مسبق، وضمن شركات منظمة، وتحت إشراف متعهدين ومراقبين.

دوام الجمعة

في بعض الأحياء يصل المتسولون يوميا في سيارة خاصة، يترجلون منها أمام مدخل المنطقة السكنية، لينتشروا في شوارعها، وخاصة يوم الجمعة، حيث تتجمع النساء المتسولات والمعاقون من الرجال والأطفال أمام باب الجامع، ليستقبلوا المصلين ويودعوهم، وقد امتلأت جيوبهم بعطاياهم وهبات العائلات الميسورة، من مبالغ نقدية وملابس وطعام.

ويقول أحد سكان الحي انه شهد شجارا حاميا بين امرأة متسولة شابة، ورجل يبيع العلكة أمام مدخل منطقتهم، لأنه سبقها إلى مكان وقوفها اليومي، وأدهشه لسانها السليط وضحكات عناصر الحراسة في المنطقة على الموقف الذي يستدعي تدخلهم لردع المتسولين، لأنهم يعكسون صورة سيئة للمنطقة، بدلا من اعتبار الموقف كوميديا!.

ويرى الباحث علي الغزي أن التسول لا يرتبط بمجتمع أو زمن معين، فهو موجود في كل دول العالم، لكنه يتفاوت حسب المستوى الاقتصادي والتطور الاجتماعي والاستقرار السياسي ونسبة التعليم بين المجتمعات، بل ان الظاهرة تختلف في المجتمع الواحد من فترة زمنية لأخرى.

والتسول ظاهرة في المجتمع العراقي تظهر وتختفي بحسب تقدم وتراجع مستوى النمو الاقتصادي، واليوم زادت بنسب كبيرة، وبأساليب وطرق جديدة وصلت إلى استئجار الأطفال والمعاقين. وأسبابها تتلخص في ارتفاع نسبة البطالة ومعدلات الفقر، ولسهولة الحصول على المال عبره، فضلا عن التفكك الأسري وتمزق نسيج العلاقات الاجتماعية، مع وجود عصابات تعمل على استغلال الأطفال المحتاجين أو المتسربين من المدارس والمتشردين بغرض التسول لهم، أو ممارسة البغاء للفتيات.

في احد أحياء بغداد ألقت الشرطة القبض على عصابة للسرقة، اتخذت من التسول غطاء لخططها، إذ تطرق امرأة منقبة بملابس رثة باب احد المنازل لتطلب مساعدة مالية أو ملابس، وحين تدخل صاحبة المنزل لتجلب لها ما تريد، تلحق بها المرأة ومعها مجموعة من الشباب ليهددوها بالسلاح وسرقة ما خف حمله وغلا ثمنه.