كانت تستريح على أريكة الماء، وتنشد مع الصيادين أغاني المحمداوي.. إنها قرية العدل، التي أصبحت في خمسينات القرن الماضي ناحية تابعة لقضاء المجر الكبير، احد اكبر أقضية محافظة ميسان. وسميت بهذا الاسم نسبة إلى النهر الذي تقع عليه، والذي يتفرع من نهر المجر الكبير، احد فروع نهر دجلة. والعدل بوصفها مدينة مائية، تشكل ميناء، تنطلق منه زوارق الصيادين والرحالة والمصطافين إلى قرى قضاء المجر، التي تبعد ساعات من المسافات المائية عبر غابات القصب والبردي، لتجد مدنا من القصب، وبعضها من الطابوق، طافية فوق الماء.
ويقول المؤرخ الدكتور كريم علكم الكعبي: كانت العدل المرفأ الذي تقف عنده مشاحيف "زوارق" أبناء الأهوار بعد نزولهم إلى اليابسة، حيث تتجمع آلاف منها بمختلف احجامها، واغلبها زودت بمحركات لزيادة السرعة، بما يمكنها قطع مئات الأميال من مسافات الماء المتشعبة المسالك والوعرة، للوصول إلى قراها. ولعل ابرز ما يميز العدل وقراها، هو زراعة شلب "رز" العنبر، الذي يشهد مؤخرا شحا في زراعته كونه يتطلب كميات كبيرة من الماء.
وتعد مركزا للصناعات الشعبية كصناعة بواري القصب والحصران وحياكة السجاد، التي نراها الآن في عدد من المتاحف الشعبية في عدد من الدول، نتيجة جلبها من قبل السياح الأجانب الذين وصلوا إلى المنطقة سابقا. وعن السجاد ومشتقاته فهناك صناعات له مثل السجاد اليدوي والبسط والغطاوي واليزر والبريمات بألوانها الجميلة الزاهية وأشكالها الفريدة التي كانت تجذب الزائرين والسياح الأجانب إلى المنطقة لاقتنائها، والاحتفاظ بها للذكرى.
وتشتهر هذه المناطق أيضاً بعمل الوشم، الذي كثيراً ما تتباهى به المرأة الريفية لما يضيفه من لمسات جمالية عليها، فيثير الإعجاب والدهشة لدقة ومهارة الفنان الشعبي برسم التشكيلات المختلفة، بواسطة إبرته الرقيقة وأدواته البسيطة.
والعدل كغيرها من مناطق المحافظة تضم مواقع أثرية عديدة لم يجر استكشافها حتى الآن لمعرفة كنوزها ومكنوناتها الثمينة، وخاصة في منطقتي العكر والمسراح، اللتين تشهدان الآن أعمال تنقيب من قبل بعثة خاصة لمديرية الآثار. وهناك أيضاً مواقع أثرية كثيرة، تتناثر في أرجائها التلال "اليشن"، التي لم تكتشف أسرارها، وهي بحدود 254 تلا، حيث كان الناس يتسللون إليها للتنقيب بحثا عن الذهب والمجوهرات.
وعثر على الكثير من الأواني الفخارية والخزفية المزججة والمزخرفة بأشكال مختلفة ترجع في تاريخها إلى عصر الوركاء والعصر الإسلامي والعصور اللاحقة، ولها تسميات محلية مختلفة، حيكت حولها الكثير من القصص والروايات والأساطير، وأصبح بعضها ذائع الصيت كما في ايشان احفيظ.
وتشهد ناحية العدل حالياً نهضة عمرانية وخدمية ضمن خطة تنمية الأقاليم، حيث تشمل تلك الخطط مشروع تطوير مدخل الناحية وأعمال تبليط وأرصفة شوارع وشبكات المجاري في أحيائها المختلفة، إضافة إلى تنفيذ مشروع طريق رئيس بطول 90كيلو متراً في قريتي الأحرار والأنصار.
