البصرة عند شط العرب، وشط العرب عند البصرة.. معادلة تعني أن البصرة والشط صنوان لا يفترقان أبداً.
وهذا الشط الذي ارتوت من مياهه العذبة أقوام وأمم، لكنه لا يمنح رقته وجماله إلا لأهله الأصلاء. إلى العرب الذين قطنوا على ضفافه واكتحلت عيونهم بمنظره الجميل وشاهدوا مدّه وجزره، التي لا يعرفها نهر غيره، والتي تحدث مرة أو مرتين في اليوم الواحد.
وشط العرب هادئ ينساب مثل الحلم، ويدخل النفس دون عناء، فهو مازال شاباً ولم تظهر عليه معالم الشيخوخة، وهو يشق البصرة من جهة الشرق حاملًا مياه دجلة والفرات، التي تعد من أعذب مياه الدنيا، ليعطي الشاربين ألذ وأطعم ماء يحكي قصة التوحد بين الرافدين، حتى يصل عند مصبه في ثغر الفاو، في صدر الخليج العربي، بينما تتولد من شاطئيه الأنهار العديدة.
وتقول كتب التاريخ إن الأنهار التي تولدت من شط العرب، وتتخلل أراضي البصرة هي 635 نهراً، منها 470 في الجانب الشمالي، أي من القرنة حتى الفاو، و165 نهراً في الجانب الشرقي.
وللشط حكايات كثيرة قديمة وحديثة، وأكثرها قرباً من النفس، هي تلك الألفة الحميمة بينه وبين ناس البصرة، فهم يعشقون فيه رائحة الحياة الدائمة، ويكتبون على صفحاته البيضاء قصص الحب والعشق المتواصلة.
فعلى ضفتيه غنى الفلاحون أغاني العمل، وغرسوا البساتين الجميلة المزهوة بالورود على امتداد طويل يبدأ من ملتقى النهرين الخالدين، دجلة والفرات، إلى آخر نقطة في رأس البيشة جنوبي الفاو، وحيث يتحد مع البحر شمالي الخليج العربي. وكان الناس يستقبلون خيرات الدنيا كلها من خلال هذا الشط، فعلى جانبيه أقيمت الموانئ، وفي مياهه أبحرت آلاف البواخر لتجلب الخير للعراق، وللبصرة خصوصاً، فحركة العمل كانت مزدهرة فيه، حتى بدأ مسلسل الحروب التي أغلقت منافذ الحياة في هذا الشط الخالد.
ومن الحكايات القديمة التي يذكرها المؤرخ البصري الراحل حامد البازي في كتابة التاريخي «البصرة في الفترة المظلمة» حكاية فرس النهر، ويقول إن هذه الحكاية ظل يتداولها الناس أكثر من نصف قرن، حيث كانت تظهر صباحاً من شط العرب فرس غريبة لها جناحان تطير بهما، وكان هذا الحيوان يخرج نهاراً من الماء ويدخل ضواحي البصرة وسط ذهول الناس وخوفهم من تكرار هذه الحالة كل يوم، فأخذوا يطاردونه وهم على ظهور الجياد، لكن الفرس النهرية كانت أسرع منهم، وتستخدم جناحيها للطيران، وترتفع عالياً، وكأنها تسخر من مطارديها.. لكنها تركن إلى الماء في الليل.
ومن حكايات الشط الأخرى يذكر قدامى البصريين أن حوتاً كبيراً يبلغ طوله 48 متراً دخل شط العرب في ظاهرة لم يشهدوها من قبل، وأخذته مياه المد لتوصله إلى القرنة، وهناك ضل طريقه وبرك في المياه الضحلة حتى تمكن الناس منه وقتلوه وجاءوا بذيله، وطوله 12 متراً، ليتفاخروا بقتله.
وعلى الرغم من دخول بواخر كثيرة إلى شط العرب، لكن أول باخرة نظامية دخلته هي الباخرة «مولا» هندية الجنسية، فقد خرج الناس للتفرج عليها عند ضفاف شط العرب. واشتهر كورنيش شط العرب الذي يقع على الضفة الغربية من الشط بكونه من أجمل المناطق وأكثرها جذباً للسياح، فكانت تكثر فيه المناطق الخضراء التي يحتفي عندها البصريون كل عام في أعياد رأس السنة الهجرية، وكذلك أيام خاصة يسمونها «الكسلة»، وهم يرددون الأغنية المألوفة على شط العرب تحله.. اغانينه وعلى البصرة.
