بين الأموات يحيون.. بل يتخذون من الموتى أصدقاء لهم ومن أكوام التراب سرائر ينامون عليها ومن همس الأموات حكايات يسمعونها لتشغل أوقاتهم التي يملؤها الفراغ.. ورغم علاقتهم الوطيدة بالموتى ووجودهم في منازل الأموات إلا أنهم يصرخون بأعلى اصواتهم "إننا أحياء" فلا يستمع إليهم نفر واحد ولا يقترب أحد من منازلهم سوى سيارات نقل الموتى..

هؤلاء هم ساكنو القبور في مصر، والذين كشفت آخر تقارير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن عددهم يزيد على مليوني ونصف المليون مواطن، يتخذون من مقابر الموتى بيوتًا لهم، فيما أشار التقرير إلى أن نسبة هجرة المواطنين إلى القبور تزداد كل عام عما يسبقه، هربًا من الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهونها..

بعيدا عن السياسة

يقول أحمد بيومي (62 عامًا) إنه يسكن وعائلته القبور منذ ثلاثة أعوام وله أصدقاء كثيرون من الموتى!.. ويضيف قائلاً: اعتدت على الحياة وسط الأموات وأحببتها كثيرًا لما فيها من هدوء وإخلاص؛ فلا مشاكل هنا ولا ضجيج ولا زحمة مواصلات ولا مكان لزخم سياسي ولا أحد يمر علينا سوى أهالي الأموات عندما يأتون من حين إلى الآخر زائرين موتاهم، فالجميع يعتبروننا أمواتًا، حتى الدولة تحسبنا كذلك في كل شيء فهي لم تعطنا سكنًا ولم توفر لنا عملاً ولا حياة كريمة ولا نشارك في أي انتخابات؛ لأننا لا نعلم شيئًا عنها ولا عن أي مرشح ولا أحد منهم يأتي إلينا هنا ليعرفنا بنفسه.

أما أم محمد (59 عامًا) إحدى ساكنات القبور فتقول إنها جاءت إلى هنا لعدم عثورها على مسكن بين الأحياء فقررت أن تعيش بين الأموات. مضيفة: "جئت مع أسرتي إلى هنا ولم أكن أعرف أننا سننقطع عن الحياة بهذه الصورة، فليس لدينا علم بما يحدث في مصر إلا عن طريق العبارات التي نسمعها من الأهالي الذين يأتون إلى هنا لزيارة موتاهم".

وأضاف أبو مجدي (63 عامًا) أنه جاء مع أسرته الصغيرة إلى هنا بعد بحث دام سنوات طويلة عن مسكن ولكنه فقد الأمل، موضحًا: فبدلاً من أن نبقى في الشارع وننام على الأرصفة جئنا إلى هنا لننام بجانب الأموات ولكن ليس معنى هذا أن تنسانا الدولة وينسانا الأحياء فلا أحد يسأل عنا ولا عن احتياجاتنا ولم يعرض علينا أحد أي خدمات حتى نواب المجلس أعتقد أنهم لم يذكرونا قط ضمن اهتماماتهم.

وتروى سكينة عاشور الشهيرة بأم سيد (69 عامًا) أنها كانت تعمل خادمة في أحد المنازل وبعد أن تخلى عنها أصحاب العمل فوجئت بأنها ليس لديها أي مكان سوى الشارع فاضطرت هي وزوجها وأبناؤها أن يسكنوا المقابر ليجدوا فيها مأوى لهم. وعن ظروف معيشتهم تحدثت أم سيد قائلة: أهالي الأموات يحملون إلينا (أقراص الرحمة) ويعطون لنا بعض الأموال التي يعيشون عليها حتى يأتي إليهم أحد آخر وأتمنى من الله سبحانه وتعالى أن يهون علينا هذه الحياة وسيبقى عزاؤنا دائما أن الآخرة خير وأبقى.

قوت الغلابة

أما عم شبراوي حسنين (81 عامًا) فقال: أفترش المقبرة ككنبة صغيرة وحصيرة و"قُلَّة مياه" وبطانية وبوتاجاز بعين واحدة، وأعيش مع حفيدي هنا بعد أن مات ابني وزوجتي ونجلس معًا في حوش المقبرة طوال النهار، نقتات بما يعطينا إياه بعض الأهالي من أموال أو صدقات، وعندما يحل المساء أدخل القبر لأنام مع حفيدي، وبهذا أرى أننا أموات وأبناء أموات وأحمد الله في النهاية على كل شيء.في حين تقول أم فايزة (43 عامًا) إنها أرملة ولديها من الأبناء ثلاثة يعيشون على التسول؛ نظرًا إلى معيشتهم الصعبة وقلة الحيلة؛ فلا تعليم لهم ولا عمل.

 ويقول أحد المارة الذي وجدناه بالصدفة في نهاية جولتنا لزيارة المقابر، إنه يأتي لزيارة موتاه في العام مرة أو مرتين فقط؛ لأنه يخشى الذهاب إلى الأماكن البعيدة النائية وخاصة في ظل الانفلات الأمني الذي تعيشه البلاد هذه الأيام، وأضاف قائلاً: يحزنني كثيرًا وضع هؤلاء الأشخاص الذين يسكنون المقابر فأنا أرى دائمًا الأحزان تكسوا وجوههم وأعباء الحياة مرسومة على ملامحهم، وكأن الدولة أزاحتهم تمامًا من على خريطتها، وعلى الدولة أن تتبع خطوات إيجابية تجاه هؤلاء؛ لأن حياتهم بائسة تمامًا، بل إنها قريبة إلى حياة الموتى بالفعل.