التنور.. اسم معروف في البيوت العراقية، قديمها وحديثها، فلا يستغني عنه من في المدينة، أو من هو في الريف، رغم تطور الحياة المدنيّة وتعدد وسائل صناعة الخبز. فمن التنور تذوق الناس الأرغفة الشهية ذات الطعم والمذاق والرائحة التي تملأ آفاق البيوت، وربما المحلّة، فالخبز بالتنور رمز الخير والعافية، كما يقال.
وتنور الطين هو المفضل عند الناس في عموم العراق، والتنور عبارة عن كورة طينية تصنع باليد، حيث تجلب النسوة الطين من أعماق الأنهار، ويطلق عليه "الحرّي"، ويمزجن معه التبن أو أعواد الحشائش لضمان التماسك في جدار التنور وسرعة تصلبه.
وتشبه عملية بناء التنور عملية بناء بيوت الطين بالتتابع، دورا بعد آخر، حتى يكتمل، فتتم عملية الطلاء بمزيج من التراب والماء لمعالجة الشقوق الصغيرة وتسوية تكوينه الداخلي، وقد تستمر صناعته مدة أسبوع، تجري بعدها عملية الفخار، وهي التجفيف بالنار الحامية لساعات محددة، ليكون جاهزا للخبز. يقول الحاج مؤنس مهدي "65 سنة" "إننا لم نترك هذه الصناعة منذ زمن طويل.
فالتنور لا يزال مطلوباً بشكل كبير، ويطلق الناس على صناعة التنور كلمة ـ يكيّن ـ، وتعني بالعامية البناء، أو التكوين". ويضيف "إن سعر التنور حسب الحجم، لكنه لا يتعدى 15 ألف دينار للصغير، و25 ألفا للكبير، أما تنانير المخابز التجارية فسعرها يتعدى الـ 70 ألف دينار". و«جميلة ج»، وهي ربة منزل ومتمرسة في هذه الصناعة، تؤكد أن التنور يحتاج إلى بناء في الموقع المراد وضعه فيه.
وينصب بشكل متوازن، وتبنى على جانبيه دكّات لوضع صينية الخبز قبل وبعد عمل الخبز . وتشير إلى أن للتنور هوائيتين صغيرتين من الجانبين، لينفذ الهواء إلى النار حتى تشتعل أكثر، فيما تستخدم الخبّازة "المنكاش " لتعديل الجمر وإخراج الخبز. وقد تغنى العديد من الشعراء والمنشدين، سواء بالتنور أو بخبزه اللذيذ.
فما تزال أغنية ناظم الغزالي تترد في ذاكرة الناس: "من وره التنور تناولني الرغيف .. يا رغيف الحلوة يكفيني سنة". ففي الريف والمدينة تعيش في الذاكرة رائحة الخبز وطريقة تجهيزه وإعداده بشكل مغرٍ لآكليه من محبيه الذين ينتظرون خروجه ساخناً وطازجاً، تلك الذاكرة التي تنقل المرء إلى أيام الحصاد والبيادر الصفراء التي تخرج منها الحنطة لتصبح خبزا بعد طحنها في طاحونة البيت التي، تسمى " الرّحى "، حيث تنشد الطاحنات "ما تنسمع رحاي بس، أيدي تدير.. اطحن بقايا الروح، موش اطحن شعير".
