عشيّة اندلاع الحرب الأهلية في لبنان (1975 ــ 1990)، كان أكثر من نصف سكانه يشكّلون الطبقة الوسطى، ويستطيعون ولو بقليل من الاستدانة وتنظيم الأولويات و«شقلبة» المداخيل والنفقات، تأمين ضرورات الحياة، مع إضافات تربو على حدود الثقافة والترفيه والعيش المستقر، الذي لا تُرى في أفقه سدود أمام الأحلام وخطط المستقبل المرئي.. وحتى اليوم، لا يزال أكثر اللبنانيين يتغنّون بــ «هيديك الأيام»، إذ كانت الدجاجة تبيض ذهباً، وفق قول أغلبيتهم. واليوم، كثرٌ هم الغارقون في مستنقعات فقرهم، فيتلطّون في مجتمعات المظاهر بتلك التسمية التي لم تتبلور دعائمها بعد..
طبقة وسطى تائهة، اجتماعياً واقتصادياً، تبحث عمّا يجمعها بالفقيرة والثرية من صلاتٍ، وعمّا يفرقها من تفاوتٍ جليّ.. وللطبقة الوسطى في لبنان قصّة خاصّة تميّزها عن أخواتها في باقي البلدان، سيّما أنها تتخذ منحىً منقوصاً، إن لم يكن خاطئاً!
أين هي؟
أحمد، أحد سكان بيروت الأصليين، حالفه الحظ بالانتماء إلى تلك الطبقة، ثقافياً ومادياً، حين عمل أستاذاً ثانوياً قبل الحرب الأهلية. يُسأل عن الطبقة الوسطى، فيتساءل ساخراً: أين هي؟..
ثم لا يلبث أن يجيب: اندثرت منذ زمن. ليس في كلامه سخط على الواقع، ويكتفي بالإشارة إلى المقارنة بين راتبه وراتب الوزير قبل عام 1975، وكيف اختلف اليوم. كان راتب الأستاذ نحو 500 ليرة، فيما لا يزيد راتب الوزير على ألف ليرة. أما اليوم، فينازع راتب الأستاذ ليصل إلى مليونَي ليرة، فيما راتب النائب يصل إلى 11 مليون ليرة، أي خمس مرات أكثر.
ولكون الشريحة الكبرى من الموظفين، والتي تشكل ما يُعرف بالطبقة الوسطى، تشعر بأن قدرتها الشرائية قد تضاءلت، وبالتالي طالها الفقر، يعزو أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور جاد شعبان ذلك الى أسباب عدّة، أهمها: رفع أسعار السلع الأساسية، أضعافاً مضعافة، عدا عن كون الدولة اللبنانية لم تضع، عبر حكوماتها المتعاقبة، أي خطة لتحسين المستوى المعيشي.
وتقليص حجم الهوّة بين مستوى دخل الأغنياء ومستوى دخل الشريحة الأكبر في الوطن. وإذ يصعب تحديد تعريف موحّد للطبقة الوسطى، إلا أن المتخصّصين يتقاطعون في مبدأ رفاهية العيش، التي يشرحها الخبير الاقتصادي كمال حمدان بـ«القدرة على توفير نفقات الصحة والتعليم، وسفرة بالسنة، على سبيل المثال».
وبعيداً عــن الــغــوص فــي ماهيات التسمية وأبعادها التاريخية، تُعتبر الطبقة الــوســطــى لبنانياً الحلقة الأضعف، فهي عالقة بين شقوفَي الأثرياء «المحلّقين» والــفــقــراء المعدمين، فضاعت خطوطها الــعــريــضــة بينهما، «الحمد لله عايشين مثل أكثرية هالناس»، جملة تكاد تتردّد أصــداؤهــا آلاف الــمــرات يومياً على شفتَي مــن يُــســأل عــن حــالــه.
فقد باتوا أكثرية ساحقة. والطبقة الوسطى لا تزال موجودة ويختلف المتخصّصون في المجالات الاقتصادية والاجتماعية في قياسها، لكنهم يجمعون على أنها تتجدّد. ومع ذلك، مبرّر هو الشعور بزوالها، لأن شيئاً ما تغيّر على أرض الواقع، كالإعلان الذي أعدّه بنك «عودة»:
«رجعت الليرة تحكي». يحكي الأب لابنه عن سهرة قضاها في الكازينو براتبه المقبول نسبياً. الرجل في الإعلان يمثّل معظم أبناء جيله الذين فقدوا بين ليلة وضحاها رفاهية العيش، وباتوا كالعدّاد، يعدّون ما يستهلكون يومياً حتى لا ينفد راتبهم.. ومع ذلك ينفد.
سوء الأحوال
وبين الأمس واليوم، وبحسب شعبان، انكمشت الوسطى الى ما يوازي نصفها، رغم أنها بحسب الأعراف كافة رافعة الديمقراطية، ما أدّى الى سوء الأحوال. ويقسّم الطبقة الوسطى إلى ثلاثة أقسام: المتواضعة التي دخلها الشهري بين 1500 و2500 دولار، المتوسطة ودخلها بين 2500 و5000 دولار، وأخيراً العليا ودخلها عشرة آلاف دولار شهرياً.
وفي ظلّ الافتقار إلى دراسات دقيقة في هذا الشأن تغطي السنوات القليلة الماضية، يذكّر شعبان بالرابط «البديهي» بين تردّي الوضع السياسي ــ الاقتصادي وبين تفاقم الهجرة، لا سيما في أوساط متوسطي الدخل، إذ فقد البلد، بحسب الدراسات المتوافرة لديه، ٪40 من هذه القوة بين عامَي 2000 و2003، وهي النسبة الأعلى بالمنطقة. «لا مجتمع ديمقراطياً إلا ويحيا على توسّع الطبقة الوسطى فيه».
ومطلب رفع الأجور مهما كانت الزيادة فيه، فهي ليست الحل السحري، ومن ينتمِ إلى الطبقة الوسطى، ويُصب أحد أفراد عائلته بمرض خطير أو مزمن ومكلف، فسيتدهور بسرعة إلى الفقر».. أما الحل الناجع فيتمثل في «شبكة أمان مختلفة، تلتزم بتجديد العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، من خلال الإصلاحات الضريبيّة والخدماتيّة التي ترفع مستوى المعيشة، مع سياسة مالية تسيطر على التضخّم بدل أن تكون في خدمة الدين العام».
علاقة ضعيفة
مديرة معهد العلوم السياسية في الجامعة اليسوعية الدكتورة فاديا كيوان ترى أن علاقة الطبقة الوسطى في لبنان بالأزمة الراهنة «ضعيفة»، خصوصاً أن المشكلة لطالما كانت ذات طابع سياسي مرتبط دائماً بالطائفية، وتعلّق نهوض الفئات المتوسطة، «أي الطبقة الوسطى والبرجوازية الصغيرة» من حول مشروع سياسي، على شرطين: المساواة في المشاركة، أي إلغاء الطائفية السياسية، وقانون مدني للأحوال الشخصية.. فـ «الأول يجب أن يكون ضامناً لحريات تعطي طالبي نمط العيش الليبرالي الغربي، مطلبهم دون إلغاء سائر الأنماط، أو تسييد نمط على آخر. والثاني يضمن بعد الأول، ألا يعاد تشكيل الصيغ الطائفية في إطار العائلة، وهي نواة المجتمع».
