«على الرغـم من كون ملابسي غاية في الاحتشام، إلا أن أياديهم تمتد إليّ.. وأيضًا إلى زميلاتي صاحبات الملابس الضيقة والكاشفة لمفاتنهن.. فهؤلاء الشباب الذين يفتقدون المروءة والإيمان، تتحكم فيهم الغرائز والشهوات للعبث بالفتيات.. ونحن لم نعد نتحمل ذلك، رغم اضطرارنا للنزول إلى الشارع وممارسة حياتنا بشكل طبيعي، فذلك حق أصيل من حقوق الإنسان، ومضطرون لنتحمل ونواجه تلك السخافات والتطاول من أولئك المرضى الذين يتحرشون بنا».
ذلك هو لسان حال عدد كبير من الفتيات المصريات، عقب تزايد حوادث التحرش الجنسي بهن في الشارع، والأماكن العامة، وبعد تفاقم تلك الظاهرة بشكل لافت خلال الشهور الماضية، استغلالاً لحالة الانفلات الأمني وعدم الاستقرار السياسي، التي كانت لها مردودات سلبية أيضًا على أخلاقيات الشارع.
مناهضة التحرش
ولأن الأفكـار الخلاقة والبناءة دائمًا ما تخرج من رحـم الأزمـات والكوارث، تصدت مجموعة من الشباب والفتيات لتبني حملة ضد ظاهرة التحرش الجنسي المنتشرة في مصر، بوضع رسومات «غرافيتي» على حوائط الشوارع والميادين تناهض التحرش، وتستنكر الظاهرة بقوة، وتناشد الشباب عدم المساس بالفتيات ومضايقتهن.
وتحمل عددًا من الشعارات، أبرزها «خدي حقك بإيدك»، وهو شعار يدعو كافة الفتاة إلى التصدي للمتحرش ومواجهته، وألا تستسلم لمضايقات الشباب بخجل الأنوثة وحياء المرأة، ومن الشعارات الأخرى «أنا مش هاسكت على التحرش»، و«حقي هجيبه وهأقطع إيده»، و«مش هيجيب حق البنات غير البنات»، و«البنت زي الولد».. وغيرها من الشعارات التي تناهض فكرة التحرش الجنسي وتدعو الفتيات للمواجهة والاستغاثة وفضح المتحرش علنًا بالشارع؛ كي لا يقدم على الخطوة نفسها مع فتاة أخرى.
يقول خالد علي، أحد منسقي الحملة، التي تضم شبابًا وفتيات، إن المصريين تربوا على أن الفتاة كائن ضعيف لا يستطيع الدفاع عن نفسه، وبذلك فإن المتحرش قد يستغل ذلك الضعف ويقوم بالتعدي عليهن باللمس أو المعاكسة بألفاظ نابية وخارجة عن التقاليد، ما يجعل الفتاة تضطر إلى السكوت، وعليه فالحملة تحاول أن تؤكد لكافة الفتيات أن البنت قوية وتستطيع الدفاع عن نفسها ومواجهة المتحرش، وسعياً لكسر الاعتقاد السائد الذي يصف الفتيات بالضعف والخنوع وعدم المقاومة، وكذلك إرهاب المتحرش وإخافته.
تأييد الفكرة
عدد من الفتيات أيدن الفكرة وشجعن الحملة، وطلبن ضرورة المواجهة كحل أمثل لتلك الظاهرة التي انتشرت بصورة كبيرة في الشارع المصري خلال الفترة الأخيرة، فيما أبدت أخريات تخوّفهن بشأن المواجهة، خاصة أن هناك بعض المتحرشين من أطفال الشوارع، و«المسجلين خطر»، والخارجين من السجون، ما يعني أنهم قد يلجؤون إلى أي رد فعل غريب في حالة المواجهة، وغير مستبعد أن يضربوهن بأي آلة أو سلاح أبيض، ويشوهوا وجههن، بما يؤدي إلى ضياع مستقبلهن.
وعلى الرغم من انتشار ظاهرة التحرش الجنسي، إلا أنه لا توجد إحصائيات رسمية موثوقة تظهر حجم المشكلة في مصر، أو نسب الفتيات اللاتي يتعرّضن للتحرش بصورة مباشرة.
وقالت الناشطة النسائية عواطف والي، إن جرائم التحرش في بلادنا أصبحت لا تصدق، ويكفي أن الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا تصدران بيانات إعلامية تحذر النساء المسافرات إلى مصر من إمكانية تعرضهن للتحرش الجنسي. وثمنت الحملات التي يقوم بها الشباب والفتيات ضد التحرش عبر الرسم على الحوائط، لتنبيه المجتمع بخطورة الظاهرة.
وطالبت وسائل الإعلام بتبني قضايا العنف ضد المرأة لإرغام المجتمع على إصدار تشريعات تكفل الحياة الآمنة للنساء عموماً والفتيات تحديداً، نظراً لوجود قصور أمني ملحوظ في الشارع، مع ضرورة تنفيذ عقوبات رادعة بحق مرتكبي مثل هذه الجرائم. واقترحت أهمية وجود ضابطات للتحقيق بشأن جرائم التحرش، وتزويد أقسام الشرطة بخطوط ساخنة لتلقي الشكاوى التي يجب أن تحقق فيها نساء أيضاً.
