كانت في زمن مضى فاتنة الشرق وبندقية الأوسط العربي ، بما حباها الخالق من مياه وبساتين نخيل باسقات، وبين هذا وذاك طيبة أهلها، وهي علامة مسجلة ، لا تقلد ولا تكرر.والبصرة، بـ "شناشيلها" الرائعة المطلة على نهر العشار، كانت مقصد السياح من داخل العراق وخارجه، ولياليها من أجمل ما يتصوره المرء، حيث فرق الخشابة تعزف الأغاني التراثية، وتصدح حناجر مطربيها بالحان تنقل المستمع إلى مياه الخليج، حيث تمخر سفن الصيد لتلتقط اللؤلؤ والسمك، أو لتنقل التوابل من بلاد الهند.

واليوم تحولت "ثغر العراق الباسم"، إلى مدينة الملح والجفاف والألوان الداكنة!، وكأنها مسحت عن وجهها الجميل كل الألواح التي توجتها بالجمال، فهل تستطيع الودودة الولودة أن تمسح عن وجهها صور الأسى، وغبار زمن الإهمال والأحزان ، وتستعيد سحرها وجمالها وألقها السياحي وسهرات لياليها الملاح؟.

الوقائع الجديدة للحياة في المدينة تؤكد تساميها فوق الجراح والمآسي، وتنسم رئتيها لهواء عليل، بخطوات واثقة نحو التحسن في المجالات المختلفة، وعبر مشاريع سياحية بدأ تنفيذها، لاكسابها المزيد من الجمالية والسحر، بما يسهم في اعطائها بطاقة عودة لتنضم إلى مدن التألق والجمال ، ويكفي أنها ساحرة أزلية تحتاج لمن يتوجها بتاج حسن يليق بها بصباحاتها الندية وأمسياتها المخملية .

والبصرة كانت واحة عطرة تكثر فيها المتنزهات الكبيرة التي يؤمها الناس من كل حدب وصوب، ليقضوا فيها ساعات من الهدوء والراحة، غير أن ما فعلته سنوات الحروب والاحتراب،. حسب الوكالة الوطنية العراقية، جعلتها تبتعد عن ناسها، وجعلتهم يحنون إليها، لكن واقع الحال يبعدهم عنها.

وبدأت الأيادي الآن تمتد إليها لتنتشل مواقعها من بؤسها، ولتعيدها إلى صورة أبهى كما كانت من ذي قبل، فالناس يتذكرون متنزه الخورة السياحي الذي تغنى به الشعراء، فقد كان متنفس أهل البصرة على سعته، حيث كانت آلاف العائلات تفترش أرضه التي تكتسي بالخضرة والأزهار.وقد أنشئ على مساحة 120 دونما، تحولت كلها إلى خراب بعد الإهمال الذي غشاها عقب الحروب، لكن الحياة بدأت تدب في أوصاله بعد أن أحيل مؤخرا إلى الاستثمار بكلفة تزيد عن 20 مليون دولار، وهو مبلغ يوحي بان يتحول إلى واحة كبيرة ومدينة جميلة تنبض بالحياة .