تزداد معاناة المرأة العراقية، والفتاة الشابة بشكل خاص، مع استمرار تقلص مساحة الحريات العامة والشخصية، واتساع وشيوع مساحة هيمنة تقاليد العشيرة أو الطائفة أو العرق، ليحل قانون "العرف" محل قانون الدولة المدنية، وهذا ما يحصل في أرض الرافدين منذ الاحتلال وانهيار الدولة، ليعود المرء إلى طلب الحماية والرعاية، من الفئة، وليس الدولة، ويخضع لتقاليدها العتيقة والمستحدثة.

ويرى الباحثون والمتخصصون في علوم الاجتماع والقانون، أن تهديم الدولة العراقية من قبل الاحتلال، وصعود التيارات القبلية والطائفية، أدى إلى تغير كبير في نمط العلاقات الاجتماعية، تمثل بالرجوع إلى عقود قديمة، لا تمت بصلة إلى المجتمع المتحضر الذي كانت تدعيه الجهات التي قامت بالغزو والاحتلال، فاتت بمن لا ينتمون بصلة للمجتمع المتحضر، لأنهم الأداة الأسهل في الاستخدام.

وكشفت ندوة أقامتها كلية القانون بجامعة بغداد، تحت عنوان "الزواج القسري بين الإباحة والتحريم"، إن الكثير من الفتيات يعشن ظروفا اجتماعية ونفسية قاسية، بسبب قيام ذويهن بتزويجهن قسرا و بطريقة جعلت منهن سلعة تباع وتشترى، وأوصت بإستراتيجية شاملة عبر مجموعة من الإجراءات.

وبحسب عضوة مفوضية حقوق الإنسان، الأستاذة في كلية القانون، الدكتورة بشرى العبيدي، إن السنوات الأخيرة شهدت زيادة في نسبة الزواج القسري بلغت 20 بالمئة، حسب إحصاءات محاكم الأحوال الشخصية، فيما تبلغ نسبة ضحايا الزيجات 40 بالمئة من النساء، مبينة أن اغلب حالات الطلاق، تكون بين شباب أرغموا على الزواج قبل بلوغ السن ، الظاهرة كانت قليلة جدا إبان فترة التسعينات، غير أنها ازدادت مؤخرا.

وهناك معالجات قانونية للظاهرة، من خلال الاتفاقات التي وقع عليها العراق كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقيات الأمم المتحدة، و العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية، واتفاقية إلغاء جميع أشكال العنف والتمييز ضد المرأة، وجميعها تحتوي على نصوص تفيد بعدم الإجبار على الزواج لأي سبب كان.

وتكمن الإشكالية في عدم تجريم المتسببين بالزواج القسري بالقوانين والتشريعات، وحتى قانون العقوبات العراقي لسنة 1969 لم يتضمن أي تجريم لها، ولكن قانون الأحوال الشخصية لعام 1958 ذكر عقوبة الحبس للشخص الذي يجبر على الزواج.

ومن أكثر أنواع الزواج القسري انتشارا، هو التبادلي، أو ما يسمى بالعامية بـ "الـكصّه كصّه"، بتقديم المرأة كبديل عن المهر، سواء كانت الأخت أو البنت، وهناك نوع آخر من الزواج، وهو بدل الدم، أي تقديم المرأة كـ"فصليّة" إلى عشيرة أخرى في حال قيام عشيرتها بقتل احد أفراد تلك العشيرة ، وكانت مثل هذه الزيجات قد انحسرت. وهناك زواج الخطف، المنتشر لدى احدى الطوائف وجرّمه قانون العقوبات بالسجن لفاعله مدى الحياة.

ويرى الباحثون أن حالات الزواج القسري كثيرا ما تنتهي بالطلاق، وتسبب مشاكل بالرجوع إلى أسباب تلك الحالات، فالطلاق في حالة الزواج التبادلي، يعني الطلاق للطرف الآخر، كما تعود المطالبة بالدم، في حالة كون الزواج بني على "الفصليّة"، وكل ذلك يجر إلى المزيد من المعاناة.