"المولد" في مصر .. أول ما يتبادر إلى الأذهان بمجرد سماع تلك الكلمة , تلك الأضواء الملونة، والزحام الشديد للباحثين عن الدين والدنيا ، وحركة وبركة بين الباعة والزوار، الذين جاءوا من كل حدب وصوب للاحتفال، كما يتبادر إلى الأذهان أيضا أسماء لأشهر الموالد، كمولد النبي الشريف وهو الأكثر شهرة على مستوى العالم الإسلامي، والسيدة عائشة، والسيدة زينب، والإمام الحسين، ، وغيرها من موالد أولياء الله الصالحين .

وبقيت عدة ملامح متعلقة في مخيلة الشارع المصري عن شكل المولد، اذ يعني باختصار الذهاب للضريح والتبرك ، والاستماع إلى بعض آيات الذكر الحكيم، والأناشيد والابتهالات الصوفية، وكذلك أيضًا التجول وسط زحام شديد ، وعلى الأطراف الباعة وكل بسلعته، منهم من يبيع للأطفال ومنهم من يعرض الحلوى والمشروبات والهدايا، وكذلك ألعاب المناسبات. إلا أن هناك شخصية ان دار الزمان وطاف، نجدها في كل مكان، هي المرأة ولها دورها في المولد، ولاتزال على حالتها رغم الحداثة والتجديد والتطوير,

تعمل بـ"عرق جبينها" ومنهن حسناوات يعملن في صراع الفقر والجهل، طلبًا لـ"لقمة العيش".فتاة ذات شعر غجري مجنون، تمامًا مثل التي تغنى بها نزار قباني في قارئة الفنجان، رسمت عينيها بقليل من الكحل، وبالغت في وضع مساحيق التجميل الأخرى على وجهها، ترتدي عباءة سوداء، تقف أمام عربة "النشان" وحولها عدد من الشباب يتصارعون ويتسابقون في منافسة شرسة على من يصيب ومن يخطئ. قالت إبعد ان رفضت ذكر اسمها , لدينا عربتا نشان، الأولى يديرها أخي الأكبر، والثانية أديرها بنفسي، مكسب عربتي أضعاف مكسب عربته، والسبب في ذلك هو أن الشباب يميلون أكثر إلى التباهي بقدرتهم على التصويب على الهدف أمام الفتيات لجذب إعجابهن، والكل يريد أن يظهر بمظهر البطل الشجاع أمامي، لكن كله في حدود الأدب ولاتجاوز للخط الأحمر.وما أفعله ليس حرامًا ولاعيبا فأنا أسعى إلى رزقي كبقية الناس، والرزق -كما يقولون- "يحب الخفية"، وخاصة أنني لم أكمل تعليمي ولا أمتلك شهادة تجعلني أعمل في أي شركة أو أي عمل آخر.

على باب الله

وفي المقابل، تجد سيدات في الثلاثيات أو الأربعينيات من عمرهن، معظمهن تتلخص قصصهن في امرأة طفح بها الكيل، لأنها جاءت من مكان بعيد إلى المولد لتبيع بعض الحلويات أو الهدايا مثل "السبح والحظاظات".. إلخ، وهي ترتدي عباءة سوداء وعلى رأسها طرحة كبيرة تغطي بها شعرها وكتفيها، وتقع الطرحة على عينيها أحيانا، ربما تجدها وحدها أو معها طفلها الصغير أو ابنتها، وعلامات الفقر والضعف تكسو وجهها، فقط تقف لتبيع سلعتها، مكسورة وفي صمت لا تجادل ولا تناقش أحدًا.

هي فئة جديدة ظهرت في الموالد لتمثل المرأة من أولاد البلد الغلابة,الذين يسعون إلى الرزق بالطريقة التقليدية دون تحايل أو خديعة كما تفعل فتيات المولد الأخريات.. نساء نراهم كل يوم في الأسواق مهنتهن البيع وبطريقة معهودة ومألوفة كما نعهدها جميعًا، لدى سلعة بالقدر الفلاني من المال وفقط. قالت بائعة الحلويات أم أحمد , زوجي مريض وأعول ثلاثة أطفال وحدي ؛ لانه غير قادر على العمل ويلازم الفراش، وأنا لا أريد أن أقترض من أحد أي مال، فعملت كبائعة في السوق، وفي أيام الموالد أحضر لبيع الحلوى مستغلة الزحام الشديد وكثرة الناس ,وهنا مصدر رزق كبير والحمد لله، المولد فرصة ذهبية لنا جميعًا كباعة جائلين، فنحن لسنا مستقرين هنا ,ولكننا نأتي فقط إلى المكان أيام المولد والأرزاق على الله.