يعيش العراق حالة خانقة بل ومستهجنة تتمثل في الزيادة المستمرة في أعداد الأطفال الذين يدخلون سوق العمل، رغم صغر أعمارهم، وتركهم مقاعد الدراسة ليعملوا في مهن هامشية ومنها التجوال بين السيارات عند الإشارات الضوئية لبيع بعض المواد البسيطة، فيما يعمل آخرون في مهن صعبة، مثل كراجات صيانة السيارات، أو غيرها من مهن الحدادة التي تحتاج إلى جهد جسدي قوي.
وأعرب عدد من المراقبين في الشأن الاقتصادي في العراق، عن استهجانهم للظاهرة سيما بعد ازديادها وارتفاع معدلات الصغار الذين ينجرفون للعمل تاركين دور العلم. وبرغم مرور تسعة أعوام على رفع الحصار الاقتصادي الذي كان مفروضاً على العراق، وزيادة إيرادات البلاد النفطية خلال الأعوام الأخيرة وكذلك ارتفاع سعر البرميل لمعدلات قياسية.
ويقول عضو مجلس محافظة صلاح الدين، مسؤول لجنة الرعاية الاجتماعية، محمد فرحان، إن "أسباب انتشار ظاهرة عمالة الأطفال تتلخص في خمسة أسباب، أولها العوز المادي للعائلة، ما يدفع الأهل إلى زج أولادهم في ميادين العمل.
وثانيها فقدان أحد الوالدين وخاصة الأب، والنقطة الثالثة هي الفشل في الدراسة، وخاصة عند المراحل الابتدائية.
كما يتمثل السبب الرابع في هروب الطالب من الجو الدراسي المشحون والواجبات نحو العمل، وآخرها دفع بعض الآباء لأبنائهم إلى العمل، من منظور أن العديد من أصحاب الشهادات يجلسون من دون عمل، لذلك يعتقد الآباء أن الشخص كلما عمل في صغره سيتوفر له مستقبل أفضل من ناحية امتلاكه لمهنة تساعده على العيش.
وبالطبع ليس صعباً إيجاد وسائل وحلول ناجعة من الحكومة الاتحادية للحد من الظاهرة.
كما يقول فرحان، حيث يمكنها خلق وسائل ترفيهية وتوفير فرص عمل لأكبر شريحة ممكنة من الأهالي وتحديد راتب شهري لطلاب المدارس، يغنيهم عن العمل ويشجعهم على مواصلة الدراسة.
في أحد أحياء الطين بأطراف سامراء "محافظة صلاح الدين - شمال بغداد" كانت الطفلة سارة جاسم وهي في الثامنة من عمرهما، تبيع المواد الغذائية في ساعات الصباح الأولى بينما قريناتها ذهبن إلى المدرسة، تقول بحسرة أعمل لمساعدة عائلتي لأننا فقراء، ولهذا لم استطع دخول المدرسة ولا وقت لدي لألعب مثل الأطفال في المنطقة، فالعمل هو الذي يساعد عائلتي وليس اللعب وتناقل الحكايات مع قريناتي من بنات الحي. وسارة واحدة من بين أكثر من 10 آلاف طفل عامل في محافظة صلاح الدين، بحسب الإحصائية الرسمية للجنة الرعاية الاجتماعية في مجلس محافظة صلاح الدين".
وعن هذا الرقم، يرى الصحافي التلفزيوني محمد عزت أن "من المعيب في بلد غني مثل العراق الذي يزخر بموارده النفطية، أن يعمل أطفاله في مهن لا تصلح للصغار ومن الأجدر استثمار جزء من المليارات التي يدرها تصدير النفط في مساعدة أطفال الوطن. والظاهرة التي بدأت تتفاقم في عموم البلد ليست جديدة، لكنها تزداد يوماً بعد آخر، بسبب ما شهدته البلاد من مآس وحروب وويلات الحصار الاقتصادي والتوترات الأمنية.
الناشطة الإنسانية وعضو منظمة العائلة العراقية، إحدى منظمات المجتمع المدني لشؤون المرأة والطفل فاتن السامرائي: وفق دراسة أقامتها المنظمة بالتعاون مع الكوادر الطبية تأكد أن أكثر الأطفال الذين يعملون في مهن تفوق أعمارهم وهم في سن صغيرة يواجهون خطر الإصابة بالضمور في النمو عند البلوغ.
إلى جانب أمراض جسدية وعاهات جسمية تزداد مع مرور الزمن. ولن يكون الخلل فقط في النمو، والأمراض والعاهات، بل ان الطفل سينشأ في وسط تسيطر عليه حالة من العنف والقسوة التي تفرز أشخاصاً غير طبيعيين قد يؤثرون بصورة أو أخرى على حياة الآخرين.
