دائماً ما تدفع الجماهير ثمناً غالياً خلال سعيها الدؤوب طلباً للإصلاح، ووقفاً لنزف الجراح، وقد تكون الشعوب ضحية سياط الجلاد، الذي يرفض حتى الكلام المباح، رغم مايتشدق به من هامش الحرية المتاح، وبينما ينعم اللاعبون الرئيسيون من الساسة والاقتصاديين الكبار بمسرات الحياة، و«الرعاية الإعلامية».. ينزف الفقراء ومعهم المهمشون دماءهم من أجل الإصلاح والتغيير، فيزدادون فقراً، فيما يعزّز أهل القمة والمقربون من السلطة مكانتهم على الساحة، ومن العجيب؛ أنهم يتحدثون عن الفقراء، بينما هم يزيدون آلامهم دون أن يمنحوهم شيئاً.

وقد أسهمت الثورات التي اجتاحت بعض دول الوطن العربي في صعود قوى وخفوت قوى سياسية أخرى، في الوقت الذي ظلّ فيه رجل الشارع العادي، الذي كان وقوداً للثورة، قابعاً في مكانه، يعاني الفقر والجهل والتخلف، ويرثي حاله، لأنه قام بالثورة ولم يستفد منها عملياً، فيما خيرها غمر أهل القمة الجدد من بارونات السياسة وأصحاب التيارات الصاعدة والأحزاب الكرتونية التي استغلت الظروف

ففي وسط هامش الحرية المحدود والمتاح، والتباين الناتج في الأساس عن سياسة تدمير الطبقة الوسطى، التي انتهجتها الأنظمة السابقة، يأتي الإصلاح مرتبكاً، فهو من ناحية يخدم مصالح أهل القمة، لكنه بالطبع يجد أصواتاً مناضلة ومكافحة ومضادة له من القابعين في القاع، أولئك الذين لم يجدوا نصيبهم من وهم الإصلاح الموعود.

 

 

السودان.. كسر حاجز الخوف يمهد لانتزاع الحرية لا انتظارها

 

 

ظلت الانظمة العربية تتبنى فكرة الخلود ردحا من الزمان والا ما جلس احدهم على الحكم عدة عقود فشاخ خلالها الذي ولد يوم جلس هو على سدة الحكم ,متناسين فى ذلك تطور الزمن وظهور اجيال جديدة ما كانت لتقبل بالذى اقره الاباء والاجداد .

ولذلك عندما جاء التغيير كانت الاطاحة لا تتناسب وفكرة الخلود الابدى فى الحكم والاستكانة لغفلة وهزيمة الشعوب ، لم تتبن الانظمة التى اجتاحتها ثورات التغيير وتلك التى تنتظر اصلاحا حقيقيا يخرج بها عن دائرة المصالح الخاصة والتبادل الدراماتيكي للمراكز وكأن الشعوب لا ترى ولا تسمع .

بعض الذين استطلعت »البيان« آراءهم في السودان فى هذا الخصوص اتفقوا جميعا ان الاصلاح لم يعد يجدى نفعا فى ظل أنظمة قابضة على السلطة متناسية ان التغيير سنة الحياة وان طال الزمن ارتفع حجم الثمن ، فيما حمل بعضهم الشعوب مسؤولية من غرر بها ما جعلها تتسول الحرية وتبحث عن الحياة الكريمة التي هي من صميم حقوقها .

يقول مدير مركز السودان للدراسات الاستراتيجية الدكتور خالد حسين حول التغيير والاصلاح , ان من اهم نتائج الربيع العربى كسر حاجز الخوف لأن الحرية اساس الحياة , واذا كانت الانظمة منذ البداية اعطت شعوبها حريتها واحترمت حقوق الانسان والمواطنة كأساس للحقوق لحققت استقرارا لاتحتاج معه الى اصلاح اوتغيير.

والاصلاح لايجدى الآن لان الشعوب التى عاشت القهر والاستبداد اصبحت تريد التغيير الكامل . وليس هناك اصلاح يمكن الحاكم من البقاء على سدة الحكم طالما ان الجماهير لا تريد ذلك .

والانظمة عابها عدم مواكبتها للتطور الذى حدث فى العالم ولذلك لاتزال تمارس اساليب قديمة عفا عليها الزمن ، كما انها لم تستوعب وجود لاعبين جدد وتحديدا الشباب والاعلام الذي يستطيع ان يهز العروش والكل تابع مافعله الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعى مثل الفيس بوك والتويتر وغيرهما .

وعليه فاذا لم يقم الحكام باطلاق الحريات واعتماد الديمقراطية منهجا للحكم ومحاربة مظاهر الفساد , فان النتيجة ستكون المزيد فى سبيل التغيير ,علما ان التغيير الحقيقى لايأخذ زمنا طويلا ففي تونس استغرق 17 يوما وفى مصر 28 يوما وفى ليبيا بضعة اشهر.

واتفق دكتور اسماعيل الحاج موسى السياسى المعروف مع دكتور خالد , حول صعوبة ايجاد اصلاح في ظل غياب الحريات. لانه كلما اتسع هامش الحرية كلما اتسعت مشاركة الجماهير ,مايؤدى الى ازالة الغبن والاحتقانات . والانظمة مهما اجتهدت لاتستطيع القيام باصلاح يتجاوز مصالحها وبقاءها فى الحكم . واعتقد ان تأخر الاصلاح فى العالم العربى فرضه وجود حكومات وأنظمة قابضة وكاتمة على انفاس مجتمعاتها .

 

تغيير لا إصلاح

وأوضح الخبير الاعلامي ورئيس تحرير صحيفة ايلاف السودانية دكتور خالد التجانى ان الشعوب تحتاج الى تغيير وليس لاصلاح فكلمة الاصلاح تطلق فى حال وجود مقومات اساسية للحياة الكريمة تحتاج الى قليل من الاصلاح ولكن الشاهد ان الانظمة الموجودة والتى ذهبت تعانى من اشكال حقيقى هو الاستبداد كما انها لا تلبى معايير العصر الحالى ذلك ان العالم العربى متأخر ومتخلف على كافة الاصعدة .

والمطلوب اتاحة قدر أكبر من الحرية ومن خلالها تتمكن الانظمة السياسية من تطوير أسلوب عملها والديمقراطية كنمط اداري, هى الأكثر نجاعة و هنالك فرصة امام الدول التي لم تواكب التغيير أن تقوم به ,فى ظل واقع اجتماعي يعيشه العالم العربي الآن , مع التخلى عن فكرة الخلود فى السلطة لانها فكرة خاطئة تماما والتفاف وتلاعب على تلبية طموحات وتطلعات الجماهير .

وبلمحة بسيطة نجد أن تأخر الاصلاح فى العالم العربى مرتبط بميلاد الدولة الوطنية نفسها فالعالم العربي عاش تحت حكم المستعمر زمنا طويلا يصل إلى اكثر من نصف قرن ، ورغم ذلك فهناك بعض الانظمة الوطنية ,اثبتت انها لاتقل سوءا عن المستعمر ,إذ اهتمت بتحقيق الامتيازات لافرادها ولم تفكر فى المواطنين .

ولذلك فإن ثمن التغيير سيكون باهظا جدا فى ظل انظمة لا تشعر بالأسف ولو قتلت نصف الشعب فى سبيل استمرار هيمنتها على الحكم. متناسية ان الحكم الحقيقى الذى يستطيع أن يبقى هو الذى يستمد شرعيته من رضا الناس عنه ، ورغم كل ذلك فلابد من التفاؤل بأن الغد سيكون أفضل ,خاصة وان من يقود التغيير هم الشباب الذين يمثلون الاغلبية فى العالم العربى فالاجيال الجديدة تمتلك افكارا وادوات أفضل ، وقد يتأخر التغيير لكنه حتما سيأتى .

 

شعار لايطبق

وصفت الموظفة باحدى المؤسسات ميادة عثمان محمد, الحرية التى تمنحها الانظمة للشعوب بالشعار المعنوي الذي لايمكن تطبيقه بأي حال من الأحوال ولذلك من الصعب حدوث اصلاح فى غياب الحرية. كما ان الاصلاح لايستطيع احداث التغيير المطلوب فى بنية المجتمعات العربية السياسية والاجتماعية و الهدف من تسويق مصطلح الاصلاح هو اطالة امد البقاء فى السلطة للحكام وان ماتت شعوبهم ذلا وقهرا .

ولم يعف الاخصائي الاجتماعى سراج حاج ادريس , الشعوب من مسؤوليتها تجاه فوضى الانظمة فلولا خنوعها لماجثمت الأنظمة على صدورها كل هذا الزمن ,لان فكرة الخلود فى الحكم , فكرة معظم الحكام .ولذلك فالشعوب هي المناط بها انتزاع حرياتها ، وعلى الشعوب البقاء ضمن دائرة التأثير خاصة , وان الاصلاح ليس جوهريا وانما دائما يكون شكليا ومرتبطا بالادوات التى يمكن كبتها .كالاعلام مثلا ولذلك لا يمكن ان يكون هناك أي اصلاح حقيقي فى ظل هامش حرية محدود .

 

 

الأردن.. جهود الشارع مبعثرة وسـقف المطالب يرتــــــــــفع والاستجابة ضعيفة

 

 

لاحظت قوى سياسية يسارية وقومية أردنية ان سقف الشعارات المطالبة بالاصلاح في المحافظات ارتفع في الآونة الاخيرة، اضافة الى انخراط شرائح وعناصر اجتماعية جديدة كانت محسوبة تاريخيا على النظام. وقالت احزاب ائتلاف الاحزاب اليسارية والقومية، إن ذلك يؤشر على بداية تململ في ركائز تاريخية للنظام نتيجة ضغط الأوضاع الاقتصادية والسياسية والارتباك الحكومي المتواصل في التعامل مع مجموع مطالب الحراك الشعبي.

وانتهى الائتلاف بان حالة السخط الشعبي والحراك العام سيبقى قائماً بسبب عجز الأدوات التي انتجتها النظم الحاكمة عن إدارة معارك ديمقراطية على هذا المستوى من العمق والشمول وترى انه في الحالة الأردنية يصبح مطلوباً تعزيز دور القوى الديمقراطية في القول والعمل في تقديم الحلول وفي الميدان وهي القوى الحليفة والطبيعية للدولة المدنية.

وكانت احزاب الائتلاف وهي الحزب الشيوعي وحشد والوحدة الشعبية والبعثين التقدمي والاشتراكي والحركة القومية في قراءتها للتحولات السياسية والديمقراطية في البلاد تهدف الى مراجعة الوضع السياسي العام ووضع الحركة الجماهيرية ودفعها لتتبوأ موقعا متقدما في قيادة مرحلة التحول الوطني الديمقراطي في البلاد.

ودعت احزاب الائتلاف الى ضرورة العمل على استمرار الحراك الشعبي والجماهيري ولملمة جهوده المبعثرة وتوحيد وتنظيم تحركاته بعيدا عن محاولات الهيمنة من أي طرف من أطراف الحركة الوطنية باتجاه مأسسته وتوحيد مرجعياته.

واعترفت كوادر الائتلاف ان الاحتجاجات القائمة في المملكة توسعت وتجاوزت حدودها العاصمة عمان، ولكنها تفتقر الى الهيكلة التنظيمية الموحدة والبرنامج والشعار الموحد المؤسس على اهداف مرحلية ومتوسطة سيؤدي الى ضعف تأثيرها الفعلي مهما توسعت مناطقياً وجهوياً. وتطرقت الى كيفية تعامل الأطر الوطنية القائمة مع المرحلة الجديدة في البلاد .

واشارت الى ان لجنة لجنة التنسيق الحزبي قادت في بداية الحراك الشعبي جملة من الفعاليات الميدانية المطالبة بالإصلاح الديمقراطي والمؤكدة في شعاراتها وبياناتها على برامج عملها وتوجهاتها التي ناضلت الأحزاب المنضوية في إطارها من اجلها طويلاً. وبصفتها الجهة الوحيدة الجامعة لأحزاب المعارضة الوطنية منذ سنوات كانت لجنة التنسيق مرشحة لان تقود حالة الاحتجاج العامة في البلاد على قاعدة برنامجية متقدمة وأولويات إصلاحية ذات مساس بالحريات العامة والأوضاع المعيشية".

وانتقد الائتلاف عدم تمكن الأحزاب في إطار لجنة التنسيق من توحيد رؤيتها للحالة السياسية العامة في البلاد".وطالب باستيعاب القوى الاجتماعية الجديدة والناشئة المنظمة والتعامل معها على أساس برنامج التحول الديمقراطي والقواسم المشتركة بحيث يمكن ان تتطور فكرة الدعوة الى مؤتمر وطني للاصلاح لتصبح فكرة موضع التطبيق بحيث تضم جميع الوان الطيف السياسي في البلاد.

 

الهجوم على الاسلاميين

ان موقف الحركة الإسلامية في البلاد يشكل عنصراً مهماً في كيفية إدارة الصراع بسبب ثقل إمكانياتها حيث تجاوزت في سياستها, الحالة الوطنية والاستحقاقات المحلية حيث وضعت خطاها وفق التطورات الواقعة على مثيلاتها في البلدان العربية الأخرى. إضافة لذلك فان تطوراً نوعياً قد وقع في طبيعة علاقة الحركة الإسلامية مع السياسات الأميركية والأوروبية حسب الإعلانات والتصريحات لقادة الحركة أردنيا وعربيا .

فهي لا تسعى ولا تكترث بتحالفاتها على المستوى الوطني, وان كانت تستفيد من وجودها في لجنة التنسيق الى جانب القوى السياسية , كما انها تصوغ علاقتها مع الحكم وفق مثلث الصراع الجاري: محليا عربيا وعالمياً". واعتبرت وضع الحركة يسهم في ضعف أداء الجماهير وقدرتها على التوحد ,وتحديد الأولويات الوطنية وفق واقع حال المطالب الشعبية نفسها.

كما ان انقاذ البلاد من معاناتها ومن الاخطار والازمات والارهاصات المحدقة بها يفرض الاستجابة للمطالب الشعبية المشروعة التي ما فتئت ماثلة منذ وقت طويل دون الاستجابة الجدية لها حيث لا مفر ولا نجاة لاحد الا من خلال الاصلاح السياسي الفعلي واجراء تعديلات جوهرية تؤدي لتفعيل ذلك المبدأ الدستوري.

وأدى تضافر العوامل الاقتصادية والسياسية إلى نشوء قاعدة خصبة للاحتجاجات الشعبية الواسعة في مختلف المناطق لتعبرعن نفسها في الحالة الدائمة من المسيرات والتظاهرات الشعبية والمذكرات ورفع الشعارات المنددة بالسياسات الاقتصادية وغياب الإرادة السياسية العليا في إجراءات الإصلاح الوطني الديمقراطي الشامل بعناوينه المعروفة بدءا من استبدال قانون الصوت الواحد بقانون ديمقراطي قائم على أساس التمثيل النسبي الشامل للانتخابات النيابية، والبلدية وإلغاء قانون الاجتماعات العامة.

وترى احزاب الائتلاف ان التعامل الرسمي مع الحراك الشعبي في الميدان كأمر واقع من دون ان يخلو من مصادمات واعتداءات مفتعلة من قبل السلطات التنفيذية.

وتتعامل الجهات الرسمية بشكل عام بازدواجية وارتباك واضحين مع مرحلة التحول الديمقراطي؟ وان عبرت عن شيء فإنما تعبر عن قراءة سياسية خاطئة للواقع القائم وقابلية الأزمات للاستمرار والتفاقم مما يدفع باتجاه اتخاذ مواقف سياسية خاطئة تجاه القضايا المطروحة.

 

خبراء أميركيون: الإصلاح مرهون بالقدرة على الانفتاح وتجاوز الصراعات

 

 

منذ البداية وضعت الأوساط الأميركية "الربيع العربي " في خانة الحدث التاريخي. "تسونامي" مفاجئ، كما أطلق عليه، جاء من خارج التوقعات والنظرة السائدة التي طالما تعاملت مع المنطقة باعتبارها عصية على التحول والتغيير. ومن هنا ربما، كان الارتباك الأميركي في قراءة وتقييم ما حصل، بحيث بقيت التشخيصات محكومة بالآني ووقائعه المتسارعة والمفتوحة على المزيد من التعقيد والتأزم. وإذ يجمع المراقبون على أن المنطقة دخلت في منعطف جديد، إلاّ أن وجهته الاصلاحية لا تزال مجهولة ومحفوفة بالمخاطر؛ كما يرون عموماً. في أحسن الأحوال هي تحت الاختبار.

بمناسبة مرور عام على "الربيع العربي"، استطلعت "البيان" آراء عدد من الخبراء والباحثين الأميركيين حول حصيلة هذه الفترة وآفاقها على المديين القريب والبعيد. وبدأ الحديث أستاذ الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورج تاون بواشنطن جان فرنسوا سازنك، بقوله: حتى الآن لاتزال الحصيلة العامة ملتبسة وأقرب إلى الخليط.

ومع ذلك يمكن القول إن الثورة التونسية أدت إلى نهاية جيدة باتجاه الاصلاح، ولو أن الكثير من المؤسسات القائمة موروثة عن نظام بن علي. ففي مصر واليمن والبحرين، ما تزال الصورة غامضة والأوضاع معلّقة. أما في سوريا فإن المأساة متواصلة.

ففي مصر اختطف الإخوان والسلفيون الثورة التي فجّرها الشباب طلاب الحرية. لكن مع ذلك تمكن العسكر من إقامة توازن مع هذين الفصيلين. وفي اليمن، يبدو وكأن الحرب الأهلية في حالة تعليق. الأمل أن يصبح النظام السياسي أكثر تعددية وأقل مركزية، مع أنه، أي النظام الجديد، لا يزال بأيدي جماعة علي عبدالله صالح. وفي البحرين فقد حصل شيء من الإصلاح وليس التغيير الكامل .

وفي اعتقادي أن التغيير الديمقراطي الحقيقي غير وارد في المستقبل القريب. فقد نرى العودة إلى حكم الفرد. هناك المشكلات الاقتصادية الهائلة التي خلفتها الثورات والتي من شأنها أن تساعد على الاستقطاب السياسي وتزايد التطرف. وفي حال وضع المتطرفون أياديهم على الحكم فقد يفرضون رؤويتهم ومفاهيمهم على الآخرين باسم الديمقراطية.

ولغاية أن تتمكن القوى المعتدلة، بعد سنوات، من المجيء إلى السلطة وبعد أن تكون قوى التطرف قد استنفدت صدقيتها وخسرت قدرات البلد. أما الباحثة بربارة سلافن، في "أتلانتيك كاونسل" للدراسات والكاتبة في موقع "المونيتور" بواشنطن، فتقول:على المدى القريب، لم تأت الانتفاضات بالإيجابي المرغوب لصالح الشعوب العربية.

النتائج كانت متلوّنة. أما على المدى البعيد فهي تشكل المدخل لطيّ صفحة الشلل السياسي ورفع منسوب المشاركة في العمل الحكومي. ومن هنا أهميتها. الوضع في سوريا، يمثل الحالة الأشد خطورة. الخشية أن النظام عازم على التمسك بالحكم وحتى إشعار آخر. الانقسام في صفوف المعارضة الداخلية كما في الساحة الدولية، من شأنه أن يعزز تشبثه هذا. إن مفتاح الإصلاح الديمقراطي مرهون الآن بمدى استعداد القوى الإسلامية على العمل ضمن اللعبة الديمقراطية، بدءًا من الانتخابات وتداول السلطة وانتهاء بالانفتاح على الآخرين واعتماد سياسة خارجية تخدم مصالح البلد أكثر مما تعكس قناعات إيديولوجية.

 

فلسطين.. حصاد الثورات لم يفرز التغيير المنتظر وما أنجز تدوير للأزمات

 

 

المطلوب شراكة سياسية في مجتمعاتنا العربية من أجل إحداث تغيير جذري وعميق في معظم القضايا التي انتفضت الشعوب ضدها، وقامت الثورات عليها، وفي مقدمتها القضايا الاجتماعية والديمقراطية والتنمية، بما في ذلك النظم السياسية. وعليه، كما يرى النائب بسام الصالحي أمين عام حزب الشعب الفلسطيني.

فإن حصاد الثورات العربية حتى اللحظة ليس كبيرا، وما تم حتى اللحظة هو فقط إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية دون أن تحمل القيادات مشروعا حقيقيا في قضايا الإصلاح والتنمية والاقتصاد بشكل خاص. وهنا يظهر وكأن ما تم هو إعادة إنتاج أو تدوير للأزمة.

وبالطبع من المبكر اتخاذ حكم سلبي على ما يجري في بلاد الثورات، فالحكم النهائي سيكون حول طبيعة المشاريع المطروحة، وتوسيع هامش الحرية والتخلص من التبعية، وبناء مشاريع تنموية حقيقية، وهذا هو الحكم الحقيقي إذا كانت الثورات العربية حققت أهدافها أم أنها مجرد ثورة.

الا أن هامش حرية الفرد لا يزال محدودا، ولا يزال هناك صراع على السلطة، فغير مطلوب استبدال ممثلي السلطة السابقة في وسائل الإعلام. ولكن المطلوب استقلالية الحراك السياسي والإعلامي، وهذه القضية لم تنته ولا يزال الصراع عليها في العديد من الدول العربية التي حدثت فيها ثورات، والمعيار على نجاح الحراك والثورات المطلبية، هو إيجاد خطة اقتصادية تنموية بديلة، تؤدي إلى انخراط الشعب فيها وقيام السلطة الحاكمة بوضع خطة للضمان الاجتماعي، وعدم حصر موضوع الحريات في الانتخابات فقط .

ووصف الكاتب والمحلل السياسي يحيي رباح حالة الأمة العربية بأنها تعيش حالة من التفسخ والتشرذم نتيجة لهامش الحرية المحدود الممنوح للفرد ، ولغياب الإصلاح الجذري والحقيقي. فالفئات الحاكمة في بعض الدول ليست واثقة من نفسها، وتعتمد على قوى خارجية، خاصة الغربية منها في قراراتها.

والدليل ما حصل ويحصل في بعض الدول التي حدث فيها تغيير في نظامها السياسي، لكن أحوالها لم تستقر بعد، رغم مرور الوقت، فالمتابع للأوضاع يسمع ضجيجاً كبيراً جداً، ولا يرى نتائج على الأرض تتحقق. والمثقف والمفكر والفيلسوف الذي هو من دعاة التغيير تم تغييب دوره، ولا يرى أية نتيجة إيجابية تشعره بالأمل.

وبرهن رباح كلامه بالإشارة إلى ما يجري في سوريا حيث قال إن الرئيس الأسد انسحب من لعبة القرار السوري، وترك مصير الشعب والبلد للعبة الدولية لتقرر الأمور هناك وفق حالة الشد والجذب والصراع ، والخاسر من ذلك بطبيعة الحال المواطن البسيط الباحث عن الاستقرار والحرية والعدالة.ومؤكد ان الإصلاح لن يتم في هامش حرية محدود وجراح الشعوب تنزف دما.

سيادة القانون

ويشير الدكتور حنا عيسى الخبير في القانون الدولي إلى أن أي مجتمع لكي ينجح , يجب أن يتأسس على قاعدة فصل السلطات الثلاث "التنفيذية، التشريعية، القضائية "، وتعزيز مبدأ سيادة القانون ووجود سلطة قضائية مستقلة.والفرد يجب أن يتمتع بنوع من الحرية والديمقراطية بشكل حقيقي ,رغم ايماننا أن الديمقراطية نسبية وليست مطلقة .

وأعتقد ان التغييرات التي حدثت في بعض الدول العربية , جاءت بطابع فوضوي والسبب في ذلك أن الشعوب على مدار الأعوام الماضية ومنحه فرصة المشاركة في اتخاذ وصنع القرار، ومطلوب أيضا وجود تعاون بين الحكام والشعوب لوضع أسس جديدة لبناء مجتمع ديمقراطي .

والإصلاح إذا لم يكن مؤسسا على معايير صحيحة تستطيع احداث الإصلاح فلا يمكن تحقيقه ، ومع الأسف الإصلاحات تطرح من القمة فقط وهي شكلية وتستخدم للبقاء في الحكم من قبل الحكام كشعارات فقط بعيدا عن الواقع، بينما تبقى جراح الشعوب تنزف دما عبر سيرها للمطالبة بالحرية والإصلاح والعدالة.

 

خبير تونسي: الإصلاح يتأسس على واقع منجز لاتغيير جذري

 

يقول خليفة الطرابلسي رئيس تيار الغد والمحلل السياسي التونسي إن مفهوم الإصلاح في الواقع الحالي لبلاده غير ممكن لأن الإصلاح يتأسس على واقع منجز، وهو عملية مراكمة وتطوير إلا أن واقع اليوم ينبئ بتغير جذري مسّ كل أركان المنجز التاريخي لدولة الاستقلال، لذلك نحن بصدد التأسيس لواقع جديد قد يكون إيجابياً وقد يكون سلبياً، ولكن في كل الحالات لن يكون في مصلحة الطبقات الاجتماعية الضعيفة، لأن جوهر ما يحدث يقوم على إرساء مقومات المجتمع الديمقراطي المفتوح،.

وهو جوهر النظام الليبيرالي الفج الذي لا يؤمن بوجود حالة وسطية والمستهدف من الإصلاح هو الهوية، والطبقة الو سطى، والمسألة القومية، وإن كان الماسكون بالقرار السياسي هم من أبناء هذه الطبقة ومن دعاة شعارات الهوية القومية. ولأجل ذلك نرى أن الطبقات الضعيفة والمهمَّشة ستزداد تهميشاً لأنها ستفتقر إلى السند التاريخي.

وهو الدولة، لأن دولة الاستقلال كانت تنظر لدورها كمسؤولة عن حماية المجتمع وطبقاته الشعبية التي تربّت على فكرة التلازم الأبدي بين الدولة والمجتمع، بينما ثورات اليوم طرحت فكرة تخليص المجتمع من سيطرة الدولة، وكأن دورها يقف في حدود الرقابة الأمنية.

بينما هو في الحقيقة يتصل بمجانية التعليم والرعاية الصحية وتعبيد الطرقات والتضامن الاجتماعي، وما إلى ذلك، وعندما نفك الارتباط ويبقى دور الدولة أن تلعب دور الحكم، فأن الحكم سينتصر لا محالة للقوي، لأن هذا القوي هو وحده الذي سيوفر للدولة احتياجاتها، ومن ثَم ستكون قوانينها لفائدة الطبقات القوية.

ويرى السياسي والباحث الاجتماعي التونسي هشام الحاجي أن «سؤال الإصلاح يصعب طرحه عادة في مثل هذا الغليان الثوري رغم مشروعيته، إذا ما أردنا التفكير في المستقبل، ودون الدخول في التفاصيل المتصلة بطبيعة الثورات العربية، فلنقل إنها ثورات لا نمطية لأنها نضجت بفعل حوامل وعوامل مستجدة كالإنترنت والإعلام الفضائي» ويقول «حين ننطلق من الخطاب الإيديولوجي السائد حالياً نكتشف عوائق حقيقية أمام انتشار حركة إصلاحية، وتتمثل هذه العوائق حسب اعتقادي في :

أولا هيمنة الخطاب السلفي الذي طرح على الفكر الديني قضايا و اشكاليات كما نعتقد أننا في طريقنا إلى تجاوزها وقدّم صورة مظلمة عن الثورات، وكأن الهدف منها يتمحور حول غرائز الإنسان في حين كان من المفروض أن نهتم حالياً بتطوير الفكر المقاصدي والقيام بحركة إصلاح ديني عميقة تعيد قراءة علاقة الإنسان بالإنسان.

وعلاقة الإنسان بالله، من جعل الدين قوة تسهم في تقدم المجتمع، إلا أن الحركات الدينية التي استفادت انتخابياً من الثورات تجد نفسها في حالة اضطراب، لأنها لم تكن مستعدة لهذه اللحظة فكريا.

ولأن الخطاب السلفي المتشدد المتموقع على يمينها، زاد في تكبيلها، ثانياً، لقد ارتبط الإصلاح، سواء في التجربة الأوروبية أو في تاريخنا، بفكرة الدولة الأمة، لأن إنجاز مهام الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي تفرض تجاوز الروابط الأولية، سواء كانت أسرية أو عشائرية أو قبلية، من أجل بناء الدولة الأمة.

 

 

الحراك الأردني.. ربيع بلا ثمر

 

للأردن تاريخ جدلي طويل مع الديمقراطية والإصلاح وحرية الرأي، امتد لعشرات السنين. هو تاريخ يهوي بهذه الديمقراطية أحيانا إلى درك عميق، وآخر يرفعها في مقدمة الدول العربية الممارسة لحرية الرأي. ساهمت ظروف البلاد الاجتماعية والسياسية في تشكيل بنيان يفرض على الدولة سياسة داخلية معتدلة مقارنة مع الدول الشمولية الدكتاتورية، وهي ذات السياسة التي لم تسمح للمجتمع ان يتقدم نحو ديمقراطية منشودة، باستثناء بعض الحقب فرضتها ظروف سياسية معينة.

تاريخ الديمقراطية الأردنية ممتد إلى خمسينات القرن الماضي، عندما شكلت الأحزاب بعد انتخابات 1954 اول حكومة برلمانية، لكنها سرعان ما اقيلت واعلنت الأحكام العرفية التي استمرت حتى العام. واستطاع ماسك دفة البلاد حتى الآن من تخفيف حدة الربيع العربي اردنياً، ففي المملكة ينزل الوزراء مع المتظاهرين للمطالبة بالإصلاح، كما يطالب بعض الإصلاحيين بالشيء ونقيضه، وتسمع من السلطة التنفيذية ما لا تسمعه من المعارضة في الملف الإصلاحي.

وفي الأردن يقاد مدير مخابرات مخفورا الى المعتقل بتهمة الفساد، ويقاد معه العديد من المسؤولين الكبار بدفع من النظام نفسه، فيما تقف جهة اخرى من صناع القرار في البلاد «الحكومة والنواب» في وجه مكافحة الفساد، كما يصف الإصلاحيون ذلك على الأقل.

يقول المنسق العام للتيار القومي التقدمي في الأردن الناشط السياسي خالد رمضان إن الاصلاح في البلاد معلق بملفات كبيرة، منها: الفساد والأزمة الاقتصادية الداخلية الخانقة، أما العامل الخارجي، فهو الطارئ اليوم، واعني به الثورة السورية، والمستمر، وهو القضية الفلسطينية.

وتتشابك جميع الملفات في شكل يزيد من الأمور تعقيدا، حتى دفعت هذه الظروف القوى الاجتماعية في المملكة الى الجدل حول شكل الإصلاح الذي تريد، فهي حتى الآن غير مجمعة على ماذا تعني بالإصلاح، وما هي مآلاته وشكله، في مقابل شراء النظام للوقت في انتظار ما ستؤول اليه الأمور في سوريا. وتعتمد السياسة الأردنية الداخلية كثيرا على «المعطى الاجتماعي العشائري» ركيزة النظام في الحكم، في تشكيل صدام لكل مطالب الإصلاح في المملكة، كما تريدها المعارضة والشارع الشبابي.

وهي حالة أشبه ما تكون بالنسبة الى الكاتب والناشط الشبابي ابراهيم قبيلات بمرحلة عض الأصابع. اذ يقول: أي الفريقين سيفوز بتطبيق رؤيته للإصلاح؛ منظرو الدولة وسياسيوها الذين يرون انه يمكن الاكتفاء «بتقطير الإصلاح بالقطارة»، أم المعارضة ونشطاء العمل السياسي الشبابي، الذين يريدون الأمور بأقصاها.

في نهاية حديثه يخلص الرجل الى انه لم يتغير شيء في الأردن في حقبة الربيع العربي حتى الآن، وان ما يجري هو علميات تقطيع للرأي فقط.

ويبدو هذا الرأي رغم الإجماع عليه غريباً عن مسارات «الشكل الخارجي» للإصلاح والحريات العامة في البلاد، فاستطلاعات الرأي لمركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية عن الديمقراطية تعبر عن نتائج مختلفة تماماً. ووضح أن 60% قالوا إن الامور تسير في الاتجاه الصحيح، مقارنة بـ 25% يعتقدون انها ليست كذلك. عمان ــ «البيان»