أجمع خبراء وسياسيون ومواطنون على أن النظام الحالي في الجزائر غير جاهز للمضي بالإصلاحات إلى محطتها الأخيرة لأنه غير مستعد للتضحية بالمنافع المادية والمعنوية التي تراكمت لدى قوى متنفذة في السلطة على مدار العقود اماضية، كما أن المبادرات التي يقوم بها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مجرد استعراض موجه للخارج ليس إلا، ما يجعلها بعيدة عن تحقيق مطالب الفئات المهمشة في المجتمع، والتي تنشد العدل والإنصاف ومكافحة الفساد ومحاربة تفشي الظلم.
ويرى الدكتور أحمد عظيمي، أستاذ الإعلام بجامعة الجزائر، أن الحديث عن الإصلاح الشامل في ظل غياب شبه تام للحريات الفردية والجماعية غير ممكن، ومجرد الحديث عن الإصلاح في ظل أنظمة مترهلة انتهت صلاحيتها منذ عقود يعتبر هدرا للجهد والوقت .
والمشكل الأساسي الذي يهدد بإفشال محاولات الإصلاح الحقيقي هو أن الشعوب العربية عاشت خلال الخمسين سنة الماضية تحت القهر والظلم وطغيان الأنظمة الحاكمة، ما جعلها لا تستطيع تقدير معنى الحرية بمجرد سقوط النظام، فتنغمس مجددا في الفوضى التي تسهل الثورات المضادة أو تساعد الأنظمة المهددة عروشها على لعب ورقة الإصلاحات الصورية للبقاء فترة أطول. لايصال رسالة مفادها أن بقاء الوضع على ماهو عليه بضمان الحد الأدنى للاستقرار أفضل بكثير من حرية مع التناحر والتقاتل بما يؤدي لانفراط عقد الدولة نهائيا.
ويقول جمال بن عبد السلام، رئيس "جبهة الجزائر الجديدة"، إن النظام الحالي مستعد للعب كل الأوراق للحفاظ على توازنه في مواجهة المطالب الشعبية والضغوط الخارجية . كما أن الأنظمة الحالية عاجزة عن الإصلاح، وإن عجلت ببعضه فهي تريد احتواء الشعوب واستيعاب أية انتفاضة ممكنة، ويضيف إن الكرة اليوم في ملعب النخب العربية، فهي مطالبة بنبذ القطيعة مع المجتمع والعودة السريعة الى قيادته نحو التغيير الهادئ بطرق سلمية بعيدة عن العنف الذي يخدم الأنظمة أكثر ويساعدها الفرصة لاستخدام القوة بحجة استتباب الأمن والنظام.
الأنظمة تستبق الثورات
من جهته، يذهب البروفسور محند برقوق، مدير مركز "الشعب" للدراسات الإستراتيجية، إلى أن الثورات دفعت بالأنظمة العربية على اختلاف درجات فسادها وبعدها عن شعوبها إلى استباق العواصف بزيادة سقف التنازل لصالح الشعوب، مستشهدا بالحالة الجزائرية. فالخطوات التي أقدم عليها الرئيس بوتفليقة منذ ابريل 2011 لخلق حراك في المجتمع بتوسيع هامش التعددية السياسية عبر إنشاء أحزاب وجمعيات جديدة، والسماح للمجتمع المدني بالانتظام أكثر ومزاولة أنشطته مع زيادة هامش الحريات الإعلامية والسماح أيضا بإطلاق قنوات تلفزيونية خاصة.
والمجتمع الجزائري يأمل حاليا في تحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية شاملة تسمح بوضع دستور قوي يمكن الجزائريين من إنهاء مظاهر الفساد ونهب المال العام والرشوة وحالات الإفلات من العقاب التي انتشرت على نطاق واسع خلال السنوات العشر الأخيرة، والدستور الذي سيتم وضعه من قبل البرلمان القادم، هو المحدد الوحيد لسقف الإصلاحات الذي يسمح به النظام في الجزائر من اجل المحافظة على التوازنات القائمة حاليا والتي قد تتـأكد من خلال دستور يؤكد على الطابع الجمهوري للدولة الجزائرية. ويحافظ على الهوية العربية الامازيغية الإسلامية، لكنه سيعطي صلاحيات واسعة للرئيس من خلال نظام رئاسي، وبالتالي يصبح الحديث عن العودة إلى المربع الأول هو الأصح.
الأسبرين لا يعالج السرطان
ويصف أحد الشبان والذي لم يشأ ذكر اسمه , الإصلاحات التي يقوم بها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، بأنها تشبه من يحاول وصف الأسبرين لمريض السرطان، في إشارة منه إلى التأخر الشديد للإصلاحات عن موعدها، لأن الرئيس لا يستطيع الذهاب بالإصلاحات الى العمق ,مخافة الدخول في مواجهة لوبيات قوية تشكلت على مدار ـ20 سنة مضت.
ويعتقد مهندس الكمبيوتر بلقاسم زغيد ، أن الإصلاحات التي بادر بها الرئيس بوتفليقة موجهة للاستهلاك الخارجي وليس لتحسين أوضاع الفئات الفقيرة من الجزائريين، مستشهدا بالعرض الخاص بالإصلاحات الذي قدمه وزير الخارجية مراد مدلسي أمام الجمعية الفرنسية. فمن الصعب على النظام إقناع الشعب بخياراته حتى وإن كانت صادقة بسبب اتساع شرخ انعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم منذ عقود طويلة نتيجة عدم الوفاء بالتعهدات التي يقطعها النظام وخاصة عندما يتعلق الأمر بالخيار الديمقراطي، لان احترام اللعبة الديمقراطية يعني ببساطة استخراج النظام لشهادة وفاته بيده.
