ليس سهلا اتخاذ موقف واضح المعالم من تحركات الشعوب العربية، وبلدان أخرى، باتجاه رفض الدكتاتوريات، وإقامة أنظمة بديلة، لا تزال بلا محددات، ترسم الشكل المستقبلي المطلوب، الذي قد يولّد ديكتاتوريات جديدة، تحت مسميات "ديمقراطية"، خالية من المضمون الاجتماعي المتعلق بـ "الحرية" والرفاه والعيش الرغيد. ويعتبر الكثير من القادة السياسيين، أن "الربيع العربي" بدأ من بغداد، بإسقاط نظام صدام حسين عبر قوات الاحتلال.

وما يخشاه معظم العراقيين، أن تتكرر، في البلدان "الثائرة"، المأساة العراقية، التي أحدثها تغيير عام 2003، وأنتج "ديمقراطية توافقية!" كسيحة، خلفت ملايين القتلى والمصابين والأيتام والأرامل والمشردين، إضافة إلى تخريب البلاد، وانتشار فساد إداري غير مسبوق، وغموض في الشكل السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة، ويقول المحلل السياسي موفق الرفاعي، إن الأمن لن يستقر.

ولن يشعر الناس بالأمان ما لم يتحقق الاستقرار السياسي، وتتم المصالحة الوطنية، التي كانت "هدف" الحكومة المعلن، وما لم ينجز ذلك ويتبعه انجاز الخدمات والبنية التحتية وحل مشكلة البطالة والأمية ومحاربة الفساد والقضاء عليه نهائيا، وعدم تسييس الدين والميثولوجيا باعتبارهما المحرك الأساس لغرائز الثأر والانتقام والتكفير.

وكانت جميع الخطوات التي أتخذت من اجل ذلك تتسم بعدم الجدية وتتجه دائما في الاتجاه الخاطئ، فالمصالحة الوطنية يفترض أن تتم بين أطراف منخرطة في العملية السياسية، وبين من يرفضها رفضا قاطعا باعتبارها مشروعا سياسيا جاء به الاحتلال وكرسه من اجل إبقاء العراق ممزقا متخلفا تابعا، إلا أن ما يحدث الآن، هو تمزق وتناحر حتى الأطراف المتفقة في العملية السياسية، وانتهت المصالحة بعدم تصالح المتصالحين، واستمرار دوامة العنف والتخريب، وتمزيق النسيج الاجتماعي.

 وترى الحكومة أنها قادرة على السيطرة، وبسط الأمن، ما دامت مسيطرة على الأجهزة العسكرية والأمنية، لان الصراع في جوهره سياسي، واستمرار القفز على هذه الحقيقة في غياب الظهير الأميركي بتقنياته، سيعقد الوضع الأمني أكثر من ذي قبل، وسيحول شوارع العراق إلى ميدان للصراع يدفع ثمنه الإنسان.