يؤكد الدكتور محمود متولي، أستاذ التاريخ الاقتصادي والاجتماعي أن هامش الحرية الموجود الآن بالساحة المصرية عقب الثورة، من الممكن أن يؤدي إلى الإصلاح والتغيير، شريطة أن يكون رجل الشارع العادي، و"الفقراء" هم محور الإصلاح سواء السياسي أو الاقتصادي أو المجتمعي، فمن الممكن أن يتم الاهتمام بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة وتشجيع الشباب بتمويلها، فضلا عن ضرورة قيام الدولة بطرح أراضيها للاستثمار الزراعي مع توفير كل المقومات لنجاح الاستثمار، بجانب تشجيع البحث العلمي بشكل جيد، والاهتمام بالصناعة، وما إلى ذلك من الآليات التي حُرم منها الشعب المصري في ظل نظام ديكتاتوري سابق يعمل لصالح فئة رجال الأعمال فقط.. فحركة التاريخ بالنسبة إلى الديكتاتورية تختلف وفقًا لـثلاثة عوامل، هي الظروف الداخلية التي تعيش فيها المجتمعات، والقادة أنفسهم، ثم الظروف الخارجية أيضًا.

وبرر متولي حدوث الديكتاتورية في أي وطن بتقاعس الفرد المحكوم، وتسلط الفرد الحاكم، كما تأتي الديكتاتورية نتيجة انتشار الفقر ونقص الوعي، والبطالة، وقيام فئات معينة باستغلال معظم فئات الشعب، مؤكدًا على عدم إمكانية وجود أي نوع من أنواع الديكتاتورية سواء كانت السياسية والاقتصادية في ظل وجود وعي شعبي متكامل.

من جانبه، يشير الخبير القانوني وائل حمدي، إلى أن المعطيات الحالية بمصر، والتي رسمت تفوقًا كبيرًا للتيار الإسلامي، هي دلالة بالغة الوضوح على شكل النظام الجديد، الذي يتجه للأسلمة، لكن بثياب مدنية.. متوقعًا أن تتغير الوجوه فقط، وألا يكون هناك تغيير حقيقي في نتائج السياسات المتبعة مع المواطنين.. فوجوه لجنة السياسات بالحزب الوطني المنحل ستتبدل بوجوه جديدة.

وأردف قائلاً المواطن المصري له أولويات معينة، وإن لم يرَ استقرارًا اقتصاديًا في المقام الأول، لن يرتضي بالحكم الجديد، وبطبيعة الحال فالاستقرار الاقتصادي وثيق الصلة بالاستقرار والإصلاح السياسي ما يعني أن المواطنين القابعين في القاع عقب الثورة لن يرتضوا بالمزيد من التهميش، وخطوات الإصلاح الضعيفة التي تزيدهم بؤسا وضعفا.

وعن خطوات الإصلاح، تزامنًا مع هامش الحرية الحالي، يقول هناك عدة آليات لإصلاح منظومة الاقتصاد وإنقاذها من التبعية السياسية، واحتكار السلطة لها أو تزاوج السلطة والمال، أبرزها أن تكون مصر دولة "متأمركة" ذات طابع اقتصادي مفتوح، ونظام سياسي جاد في سبيل الإصلاح، يحكم ولا يملك.. فالاستقرار السياسي هو شرط أساسي ورئيس للاستقرار الاقتصادي، فمن الممكن أن تحقق أي دولة رخاءً اقتصاديًا عبر المعونات والديون الخارجية، لكنها تتعرقل في شروط سياسية تنزع عنها سيادتها.. فعندما تلتهم الأوطان لا أحد يبحث عن المصانع.

 

إشكالية قائمة

أما محمود عباس، أمين عام حزب النور بدائرة الرمل بالإسكندرية، يشير إلى أن مصر لديها فرصة ذهبية في الوقت الحالي، تتمثل في أن هناك ثلاث دول هي "تونس وليبيا ومصر" استطاعت الخروج من تحت نظام ديكتاتوري قمعي عبر ثورات شعبية هائلة، أذهلت العالم كله، وإذا أضفنا اليها السودان فيمكننا القول ان التعاون بين الدول الأربع من شأنه أن يولد قوة لا يستهان بها من ناحية التعداد السكاني الكبير في مصر، والموارد المالية والسيولة المرتفعة في ليبيا، بالإضافة للمساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية في السودان، فلابد من وجود نوع من التكامل، لإحداث حلم التغيير والاتفاق العربي والإسلامي، يكون المواطن المصري محور هذا التغيير والإصلاح.

من جانبه، يرى الباحث السياسي مصطفى العطيفي، أن هناك إشكالية قائمة في المشهد المصري اذا استمرت فسوف تقضي على أي محاولات للإصلاح أو وقف نزيف الفقر، وهي تتمثل في الصراع الذي تشهده الساحة السياسية بين العلمانيين والليبراليين من ناحية، وجماعة الإخوان المسلمين من ناحية أخرى اذ سيتحول إلى صراع تخوين وتشكيك يشارك فيه شباب الثورة، برفضهم سياسة الجماعة، رغم محاولات كثيرة للتهدئة، من قبل مجموعة من أعضاء البرلمان المصري، حتى ينتصر الوطن، ومصلحته العليا، وخاصة أن تلك الاتهامات والاحتكاكات بين الفصائل السياسية تجعل الجميع يهمّش مصلحة الوطن، ويعظم من مصلحة الأفراد والتيارات.

 

مواطنون ضد التهميش

لن يظل الفقراء صامتين على دعاوى تهميشهم لخدمة مصالح أهل القمة، هكذا استهل الموظف محمود قناوي حديثه قائلا ان المصريين عاشوا سنوات طويلة من التهميش خدمة للكبار من رجال الدولة، وخاصة في العهد السابق، وبفضل الثورة حدثت جملة من المتغيرات الجوهرية في شكل المنظومة السياسية والمجتمعية، بحيث أصبح للمواطن العادي الجرأة على التعبير والمطالبة بحقه، وهي الجرأة التي استلهمها من ميدان التحرير، ورأى مدى قدرتها على التغيير الذي يأمله.

وأرفض فكرة أن يتبنى رجال السياسية والاقتصاد، الذين وصفهم بأنهم استولوا على الثورة، سياسات إصلاحية طويلة المدى دون أن يكون الفقراء والمهمشون محورها، فالعدالة الاجتماعية هي أبرز ما نادت به الثورة، ولذا يجب أن يعتبروا المواطن الأصل، وهم مجرد "موظفين" يعملون لخدمته، ولتوفير الحياة الكريمة له ولعائلته وللمجتمع.