دائماً ما تدفع الجماهير ثمناً غالياً خلال سعيها الدؤوب طلباً للإصلاح، ووقفاً لنزف الجراح، وقد تكون الشعوب ضحية سياط الجلاد، الذي يرفض حتى الكلام المباح، رغم مايتشدق به من هامش الحرية المتاح، وبينما ينعم اللاعبون الرئيسيون من الساسة والاقتصاديين الكبار بمسرات الحياة، و«الرعاية الإعلامية».. ينزف الفقراء ومعهم المهمشون دماءهم من أجل الإصلاح والتغيير، فيزدادون فقراً، فيما يعزّز أهل القمة والمقربون من السلطة مكانتهم على الساحة، ومن العجيب؛ أنهم يتحدثون عن الفقراء، بينما هم يزيدون آلامهم دون أن يمنحوهم شيئاً.

وقد أسهمت الثورات التي اجتاحت بعض دول الوطن العربي في صعود قوى وخفوت قوى سياسية أخرى، في الوقت الذي ظلّ فيه رجل الشارع العادي، الذي كان وقوداً للثورة، قابعاً في مكانه، يعاني الفقر والجهل والتخلف، ويرثي حاله، لأنه قام بالثورة ولم يستفد منها عملياً، فيما خيرها غمر أهل القمة الجدد من بارونات السياسة وأصحاب التيارات الصاعدة والأحزاب الكرتونية التي استغلت الظروف. ففي وسط هامش الحرية المحدود والمتاح، والتباين الناتج في الأساس عن سياسة تدمير الطبقة الوسطى، التي انتهجتها الأنظمة السابقة، يأتي الإصلاح مرتبكاً، فهو من ناحية يخدم مصالح أهل القمة، لكنه بالطبع يجد أصواتاً مناضلة ومكافحة ومضادة له من القابعين في القاع، أولئك الذين لم يجدوا نصيبهم من وهم الإصلاح الموعود.