من وقت لآخر، تشهد الساحة الإجرامية في مصر سقوط أحد المجرمين الذين يطلقون على أنفسهم أسماء غريبة ومثيرة كنوع من إضفاء الأسطورة عليهم وعلى جرائمهم، فضلا عن تضليل أجهزة الأمن للتوقف عن مطاردتهم أو إنزال العقاب بهم.

في أواخر يناير الماضي، سقط ياسر عبدالقادر أحمد إبراهيم الحمبولي المشهور بلقب "خُط الصعيد" في أيدي قوات الشرطة، بعد أن ارتكب الكثير من الجرائم في محافظات الأقصر والبحر الأحمر وأسوان وقنا طوال سنوات، ما أثار ذعر الأهالي منه، لاسيّما بعدما أطلق تهديداته خلال الأشهر الأخيرة بالقيام بعملية كبرى في صعيد مصر يتحدث عنها العالم، متحديًا في الوقت ذاته استطاعة أي جهاز أمني في مصر من القبض عليه، ما روّج لشائعات وقتها بأنه مدعوم من كبار قيادات وزارة الداخلية في مصر.

وهو الأمر الذي تم اكتشافه فيما بعد عندما تم القبض على الحمبولي، حيث تبيّن عند فحص الهواتف المحمولة الخاصة به، عن وجود اتصالات متبادلة بينه وبين عدد من القيادات الأمنية والعاملين في جهاز الشرطة.

الحمبولي الذي أثار خبر القبض عليه فرحة كبيرة في مدن ومحافظات الصعيد، كان قد هرب من السجن أثناء الانفلات الأمني الذي أعقب ثورة 25 يناير، وتوسع في نشاطه الإجرامي بعد الثورة مستغلاً غياب الشرطة، فيما تذكر ملفات أجهزة الأمن معلومات كثيرة عنه منها أنه متهم في 102 قضية، جميعها تهمٌ تتنوع ما بين قتل وشروع في قتل وسرقة بالإكراه.

بالإضافة إلى أنه هارب من تنفيذ 6 أحكام جنائية صدرت ضده، كما صدر قرار بإحالته إلى المحاكمة الجنائية في 5 قضايا أخرى، بجانب أنه ينتظر سماع أقواله في 78 قضية أخرى لا تزال قيد التحقيق.

 

نتاج البيئة

وجاء في التقارير الأمنية أن الحمبولي ولد في واحدة من المحافظات السياحية في مصر، وهي الأقصر، وتحديداً في قرية الزينية مركز طيبة.. وللمفارقة أنه ولد في العام نفسه الذي انتصرت فيه مصر على عدوها التاريخي إسرائيل عام 1973.ولعبت البيئة دورًا كبيرًا في صناعته كمجرم.

حيث اشترك وهو في سن صغيرة مع والده إبراهيم الحمبولي في حوادث سرقة كثيرة، وقام زوج شقيقته الملقب بـ"اللورد" بتعليمه كيفية إطلاق الرصاص والدفاع عن النفس.. كما اشترك مع "اللورد" في حادثة سطو مسلح على محطات البنزين.

لكن بداية سطوع نجم الحمبولي أو "خُط الصعيد" في عالم الجريمة كانت عندما حاول أحد رجال المباحث في محافظة الأقصر التصدي له أثناء القيام بإحدى جرائمه، فأوقعه شهيداً، وبدلاً من التخفي عن أعين الشرطة توسع نشاطه ليخرج من دائرة مركزه الصغير.

ويتحول إلى أشهر مجرم في جنوب صعيد مصر، وخلال تلك الفترة تصاعد نفوذ "خط الصعيد" وصدرت ضده العديد من الأحكام الرادعة غيابيًا، حتى تم القبض عليه في عهد النظام السابق، قبل أن يتمكن من الهروب بعد الثورة.

 

صعوبة مطاردته

وبالفعل تعددت عمليات المطاردة والكرّ والفرّ بين أجهزة الشرطة وأفراد عصابة الحمبولي، وكانت كل الدلائل تشير إلى صعوبة القبض على هذا المجرم الخطير؛ نظرًا إلى تواجده الدائم بين أفراد عصابته داخل زراعات القصب التي يصعب مطاردته بها، حتى جاءت الفرصة سانحة لأجهزة الأمن عندما علموا بوجود خط الصعيد داخل شقة بالكرنك بمحافظة الأقصر، فكان الخيط الذي قاد رجال الشرطة للقبض عليه وبحوزته بندقية آلية وخزينتين بهما 80 طلقة وحقيبة ذخيرة بها 6 خزن أخرى بكل منها 40 طلقة.

وبحسب التقارير الإعلامية، فإن أجهزة الشرطة ضبطت الحمبولي دون أدنى مقاومة منه وذلك بعدما غافله أصدقاؤه ووضعوا له المخدر في الشاي قبل قدوم الشرطة للقبض عليه.

وعلى الرغم من كونه عتيًا في الإجرام، إذ نشأ وترعرع في بيئة مليئة بحوادث الخروج على القانون، يعتبر الحمبولي نفسه ضحية نظام فاسد، جعله يشحد رزقه عنوة من الناس، عبر حوادث سرقة وقتل، تدر عليه مالاً وفيرًا.. في الوقت الذي فشل فيه النظام السابق، على حد قوله، في أن يحمله على حياة كريمة، وأن ينقذه من بئر الفساد الذي نشأ فيه، فكانت النتيجة "مجرمًا".