في الوقت الذي تترك آلاف النساء بصماتهن على خارطة التطور في المجتمعات، تنزوي المرأة الريفية العراقية في دارها لتنجب الأطفال، وتدير شؤون المنزل، وتخرج إلى الحقل لتمارس مهام الرجل الخشنة، وعزاؤها الوحيد في حياتها هو رؤية أولادها يكبرون وينجبون. إن المرأة الريفية تواجه خلال تلك الرحلة معوقات وواقعا مأساويا.
تتكرر الحالة ذاتها في جميع أنحاء الريف العراقي، ومنها ريف قضاء أبي غريب، شمال بغداد، الذي يضم قرى عدة، حيث تعيش النساء في حلقة مفرغة تروي تفاصيلها "أم علاء". فهي تستيقظ مع طلوع الشمس لتعد الخبز الحار وتحلب الأبقار وتعد الفطور، وبعد أن يتناول أفراد العائلة فطورهم ويتفرقوا لممارسة أعمالهم، تذهب إلى الحقل لترعى الماشية وتجز العشب الذي تتناوله الماشية، أو لتعتني بالمزروعات، تاركة أطفالها وبينهم رضيع، في رعاية جدتهم المسنة، ما يعرضهم لمخاطر عدة، من جراء الإهمال، وتعود ظهرا لتعد الغداء.
وترتاح قليلا ثم تخرج عصرا لتجلب العشب لماشيتها. وقبل حلول الغروب، تخبز أرغفة من الخبز وتعد العشاء لعائلتها، وتتخلل تلك المهام عملية نقل الماء من النهر، لعدم وجود ماء صالح للشرب، ثم تقوم بغسل ملابس الأطفال والعناية بهم، وتسلم تلك الأعمال المرهقة "أم علاء" لحالة من التعب الشديد، فتنام مبكرا، لتصحو مبكرا، وهكذا.
متوسطة.. لا أكثر
حلمت هناء م طويلا بأن تصبح معلمة، كما تفعل كل الفتيات الصغار، ثم ألغت حلمها حين لاحظ معلموها تفوقها، واستبدلته بحلم أن تصبح طبيبة، لكنها ما أن بلغت مرحلة الثاني متوسط، حتى رضخت لقرار والدها وأعمامها بمغادرة المدرسة، لعدم وجود مدرسة متوسطة قريبة لفتيات القرية. وتضطر أغلب فتيات قرى أبي غريب لمغادرة المدارس، ما لم تلتحق بالمدرسة المتوسطة الوحيدة المخصصة للفتيات والتابعة لقرية الكروشيين.
والتي ورغم استقبالها الفتيات فقط، فان بعض الأهالي يجدون صعوبة في إيصال بناتهم لها، والالتزام بذلك يوميا. المدرسة "س . ن" كانت واحدة من فتيات تلك القرى اللواتي نجحن في تخطي تلك العقبة وإتمام دراستهن مع البنين في القرية، ثم إتمام الدراسة الجامعية في الأقسام الداخلية.
لكن لهذه المرأة معاناتها الخاصة أيضا، فبعد تخرجها وحصولها على تعيين في المدرسة التي درست فيها، واجهت مشكلة جديدة؛ فقريناتها من أبناء قريتها تزوجن، بينما كانت تكمل دراستها، ومن بقي منهن لا يناسبها أبدا الزوج لا مستواه الثقافي ولاوضعه الاجتماعي، والغريب أن أبناء المدينة يولون هاربين إن عرفوا أن المختارة لهم كزوجة تنتمي إلى القرية.
إكراه.. وإهمال
وفي حين يعدّ الزواج هو حلم الفتاة الريفية الوحيد، إلا أن الحياة الزوجية غالبا ما تشكل لها كابوسا لا ينتهي. فالمرأة الريفية لا تملك حق اختيار الزوج، ويمكن تزويجها مبكرا أو قسرا، بزواج " كصّة بكصّة" الذي يعني تزويج الفتاة لشقيق زوجة أخيها كبديلة لها.
وفي حالة حدوث خلاف بين شقيقه وزوجته أو طلاقهما، فلابد أن ينسحب ذلك عليها وتطلق أيضا. وهناك صيغة أقسى لتزويج الفتاة الريفية، وهي إعطاؤها كـ (فصلية) أو (فدية)، لدى إجراء فصل عشائري لحقن الدماء في حالات القتل، وتكون جزءا من (دية) الفصل وتعامل غالباً بازدراء وسلبية.
