بالرغم من تفوقه العلمي والتكنولوجي وامتلاكه للخبرات والإمكانات الهائلة، يعاني النظام الصحي الأميركي من عطب مزمن يتضارب مع غاياته. فالمعالجة الطبية بكافة جوانبها ومراحلها، لاتزال مشوبة بوقوع أخطاء قاتلة وبحجم كبير؛ لا يتفق ومستوى التطبيب العالي في الولايات المتحدة.
وقد جرت حولها دراسات ونشرت أبحاث وعقدت مؤتمرات، لوضع الحلول لها. أو على الأقل لتقليص عددها. لكن حتى الآن لم يتم التخلص من هذا الخلل بعد. ولو أن المحاولات حققت بعض التقدم. ويعزي الخبراء ذلك إلى عوامل كثيرة ومتداخلة، تبدأ بالعنصر البشري وتنتهي بصناعة الأدوية، مروراً بتعقيدات ومخاطر التكنولوجيا الطبية المتطورة في المستشفيات والعيادات والمستوصفات.
وتتقاطع غالبية الدراسات التي جرت منذ بداية هذا القرن، عند بعض الخلاصات والأرقام التي طالما أثارت القلق لدى الجسم الطبي كما لدى الجهات المعنية، الرسمية والأكاديمية. فقد تبيّن أن الأخطاء الطبية تحتل المرتبة الخامسة من بين الأسباب المؤدية إلى الوفاة في أميركا.
ففي دراسة صادرة عن الجمعية الطبية الأميركية، تقول الدكتورة بربارة ستارفيلد في مستشفى جون هوبكنز؛ أن 2000 حالة وفاة نتجت عن عملية جراحية غير لازمة و7000 بفعل الدواء الغلط و20,000 نتيجة أخطاء في المستشفيات و80,000 ذهبوا ضحية التهابات تعرضوا لها أثناء المعالجة في المستشفى، يضاف إليها 106,000 حالة وفاة بنتيجة الآثار الجانبية للأدوية.
وفي 2007 صدرت دراسة أخرى تفيد أن هذه الأخطاء ما زالت السبب الخامس للوفيات في أميركا. لكن الأرقام مختلفة. وقد جاء فيها أن مجموع هذه الحالات بلغ 98,000، تتراوح أسبابها بين " سوء التفاهم وبين مغالطة تعليمات الطبيب والآثار الجانبية للدواء وانتهاء بعدم صحة المعلومات عن وضع المريض ".
ولا تقتصر الأخطاء على التسبب بالوفاة بل أيضاً ينتج عنها أعطاب بدنية وحالات مرضية يصل عددها مع الوفيات إلى حوالي مليون ونصف شخص. وتشير الاحصاءات إلى أن خطر الموت في المستشفى نسبته بأميركا 1 من أصل361. وفي بريطانيا 1 من أصل 300.
كما تكشف عن حصول عمليات جراحية في المكان الخاطئ من الجسم، بنسبة واحدة من كل 112994 عملية. وقد نشرت إحدى الدراسات قائمة بأسماء الأدوية التي قد تحدث مضاعفات جانبية تقتضي الحضور إلى غرفة الطوارئ في المستشفى لمعالجتها بسرعة.
كما نشرت قائمة بالأدوية الأكثر عرضة لارتكاب الخطأ عند استعمالها ويذكر أن احد الأبحاث الأخيرة قام بعملية مسح في هذا المجال وعزا نسبة غير قليلة من الأخطاء التي يرتكبها الطبيب في أميركا" 700ألف طبيب" تعود غالباً إلى ساعات العمل الطويلة المنهكة التي يقضيها في المستشفى.
خاصة في غرفة الطوارئ. لكن معظم الأخطاء تحصل في بقية مواقع النظام الصحي، من العيادة وغرفة العمليات إلى الصيدلية ومكتب الطبيب ومعاونيه الممرضين وأيضاً في بيت المريض عند استخدام العلاج والأدوية المفروض أن تلتزم التعليمات المحددة.
دور المريض
وتشير أبحاث مبنية على عمليات مسح ميداني إلى أن المريض بوسعه المساعدة في منع أو تقليل وقوع الأخطاء الطبية، إذا ما تنبّه إلى بعض الأمور وأفصح أو استفسر عنها؛ بحيث يكون هو وطبيبه على علم بكل ما يتصل بالحالة الصحية والمعالجة وتفاصيلها. ونشر أحد هذه الأبحاث قائمة بعشرين توصية من شأن الالتزام بها تحقيق الغرض وهي:
على المريض أن يطلع الطبيب على كافة الأدوية التي يتناولها، حتى تلك التي يحصل عليها من غير وصفة طبية. على المريض إحضار الأدوية معه عند زيارته للمعاينة الطبية. كما عليه إطلاع الطبيب على حساسيته من الأدوية أو بعضها، في حال وجودها.
وينبغي عليه الاستفسار عن الأدوية عند وصفها من قبل الطبيب كما عند شرائها من الصيدلية: ماهيتها وكيفية استخدامها ومدتها وآثارها الجانبية وعدم تصادمها مع أدوية أخرى يتناولها المريض؛ وكذلك أنواع الأطعمة وطبيعة النشاطات المطلوب اجتنابها أثناء العلاج.
السودان.. عرض مستمرلأخطاء غريبة وحالات عجيبة
لايكاد يمر يوم فى السودان إلا وتحمل صحفه الاجتماعية خاصة, خبرا بارزا عن ضحية جديدة لخطأ طبي فادح ، يتحول بعضه الى قضية رأي عام يشغل الناس لأيام طوال ,بينما تذهب اخطاء اخرى فى طي النسيان ، وفى السنوات الاخيرة ارتفع حجم الوعي الحقوقي وسط السودانيين , وباتت قضايا الاخطاء الطبية تجد طريقها الى القضاء وتتابعها الصحف بدقة .
وكان ابرزها مؤخرا تقدم اسرة احد المرضى السودانيين بمستنداتها الطبية لاحد ابرز الاكاديميين والقانونيين بالسودان للترافع عنها ضد احدى المستشفيات السودانية التى بترت قدم ابنها بالخطأ ,مطالبة بتعويض مالي قدره مليار جنيه مايعادل 250 الف دولار, ما اثار غبارا كثيفا حيال القضية.
كما تقدم أحد الصحافييين بشكوى رسمية ضد أحد المستوصفات الخاصة ، إلى المجلس الطبي بعد أن لحقه الضرر المادي والنفسي بسبب عملية جراحية أجريت في كتفه بواسطة أحد الأطباء المختصين، لكن يده لم تعد الى وضعها الطبيعي, ما دفعه إلى مقابلة أحد الأطباء خارج السودان.
وابلغه انه يعاني من كسر غير ملتئم بأعلى عظمة العضل اليمنى، وكسر ملتئم بوضع خاطئ بالمفصل الخلفي لعظمة لوح الكتف، بجانب تيبس بالمفصل الايمن للكتف ,ونصحه بضرورة إجراء عمليةجراحية لإصلاح الكسر وأربطة الكتف وتثبيته داخلياً .
وكان المجلس الطبي السوداني قد تلقى العام الماضي 128 شكوى، 74 منها لمواطنين ضد اطباء و39 ضد مؤسسات علاجية ، و بادرت الادارة القانونية للمجلس الطبي بالعمل عليها وفق اللوائح والقوانين المنظمة ، مع ترجيحات بازدياد العدد ليس بعوامل تضاعف الاخطاء بقدر ازدياد الوعي الحقوقي للمواطنين.
وتؤكد اختصاصي الطب النفسي دكتورة ناهد محمد الحسن ان الوعي بالشكاوى ووضعها بين يدي المجلس الطبي والقضاء السوداني حول الاخطاء الطبية يعد بكل المقاييس تطورا حديثا وسط المجتمع االذي كان يعزو وبقناعة تامة فقدان حياة المريض الى الاقدار الالهية دون التفكير فى خطأ الطبيب .
الهجرة والعامل الاقتصادي
ورغما عن السمعة العالية لقدرات الاطباء السودانيين الا ان المختص بعلم الامراض دكتور طارق الشايب نبه الى عدة عوامل اسهمت فى ازدياد الاخطاء اجملها فى هجرة العقول المدربة ذات الخبرة الطويلة لخارج البلاد, فضلا عن تأثر الاستطباب بمنظومة الازمة الاقتصادية والسياسية بالسودان مع ضعف الامكانات وقلتها على ما يوفر للقطاعات الطبية فى دول المنطقة العربية .
وافتقار تخصصات دقيقة لمتدربين ومؤهلين بدرجة متميزة اضافة لغياب التدريب والتأهيل المستمر وعدم الاكتراث بالمؤسسات الصحية العامة لغياب الرقيب مع عدم امتلاك عدد من الاطباء لمصادر دخل اخرى ما يقودهم لقلة الاكتراث واللامبالاة خصوصا مع تراكم الهموم حيال المتطلبات الاقتصادية والحاجة الماسة لمداخيل تقيهم شر المسغبة .
كما ان العامل الاقتصادي بدوره اسهم فى تقليل تركيز الاخصائيين والاستشاريين فى اطار عمل بعضهم لاكثر من 16 ساعة كاملة فى اليوم والخلود للراحة لاقل من ست ساعات بحثا عن مضاعفة الدخل لتغطية ضعف الاجر المتقاضى من وزارة الصحة ، وبعض الراغبين فى التطوير وتأهيل انفسهم يدفعون مبالغ طائلة من حر مالهم خارج البلاد.
وفى الوقت الذي دفع فيه بعض المتأثرين من الاخطاء الطبية بقضاياهم للجهاز القضائي وللمجلس الطبي ، استطاعت نقابة الاطباء السودانيين ان تقلل من حجم معاناة الاطباء النفسية والمادية بتوصلها لاتفاق مع شركة تأمين سودانية للتأمين على الاخطاء الطبية ، وقال نقيب الاطباء بروفسير عبد العظيم كبلو ان اتحاد الاطباء اتفق على استقطاع شهري من رواتب الاطباء .
والكوادر الطبية المساعدة تدفع للتأمين بالمقابل تتكفل التأمينات بتعيين محامين للترافع عن الطبيب امام القضاء فضلا عن تحملها لمقررات الهيئة القضائية فى الجوانب المالية ضد الطبيب المخطئ . وكان الاتفاق قد سرى مفعوله منذ 2009, ما اعتبره سبقا فى المنطقة العربية ، ،نافيا اسهام التأمين فى تعدد الاخطاء لجهة الاستناد على تحمل جهة اخرى لعبء الخطأ.
وقال بانه سيؤهل الطبيب السوداني للتجويد وتقليل الخطأ بتخفيف الضغط النفسي والمادي عليه ، منبها لوجود عقوبات يفرضها المجلس الطبي على المخطئ طبيا-حسب حجم الخطأ- تصل فى بعض الاحيان لنزع رخصة ممارسة المهنة ، وشدد نقيب الاطباء على ان عدة ورش وسمنارات تواصل نقابته عقدها للتبصير بأهمية التركيز وسبل تلافي الاخطاء الطبية .
لبنان.. محاكمات سـريّة وأحكام غير معلنة ضد المخالفين
تروي منى، المفجوعة مؤخراً بوفاة زوجها ابراهيم، أن الأخير كان يجري فحوصاً عامة دورياً، وصحته كانت أكثر من جيّدة، الى أن أقنعه أحد الأطباء بضرورة التوسّع في إجراء الفحوصات، و"كان ما كان"، إذ "ثُقِبت رئة زوجي عن طريق الخطأ أثناء إجراء أحد الفحوص، ما سبّب له نزفاً داخلياً دخل على أثره في غيبوبة لعدّة أيام، وفارق بعدها الحياة". توفي الزوج وربّ العائلة، فأقام أفرادها دعوى على الطبيب، على أمل محاسبته كي لا تتكرّر المأساة مع عائلة أخرى. والشكوى أمام القضاء لبتّ مصير الطبيب الذي لا يزال يمارس عمله المعتاد.
ما جرى مع ابراهيم ليس الوحيد في هذا المضمار، إذ كثيرون يحكون قصص أناس دخلوا المستشفى يمشون على أقدامهم، وخرجوا "محمّلين على نعوش".. أما أقاربهم فينقلون جملة تكفي لشرح السبب: "توفّي نتيجة خطأ طبّي"، أو "أخطاء" تُحاط بكتمان شديد، فلا يخرج منها إلى دائرة الضوء إلا القليل.. يصفها البعض بأنها جرائم بلا أدلّة، لذلك تُسجّل في خانة القضاء والقدر.
أما بطلها، فهو طبيب "جلّاد" لا يتورّع عن إعمال مبضعه في جسد الأبرياء. علماً أن لا إحصاء حقيقياً لمجموع الأخطاء الطبية المرتكبة في لبنان، والتي تنتج منها خسائر في الأرواح، وإن كانت أرقام نقابة الأطباء تشير الى أن عدد ملفّات الأخطاء الطبيّة يصل سنوياً الى نحو 150 ملفاً، تُرفع من مختلف المناطق اللبنانية الى النقابة في بيروت، لتبحث لجان التحقيقات فيها، وصولاً الى اتخاذ القرار الذي تراه مناسباً في كل حالة.
لا ينكر نقيب الأطباء الدكتور شرف أبو شرف أن ثمة أموراً قد تحصل لجهة الخطأ الطبي، لكن "النقابة تلجأ الى إثبات الخطأ الطبي عبر لجنة التحقيقات"، ويشدّد على ضرورة التمييز ما بين الخطأ الطبي والمضاعفات الطبية، إذ "ثمّة مضاعفات قد تحصل أحياناً ولا يمكن السيطرة عليها، وتخلق بعض المشكلات لعدم تقبّل جسم المريض لها، وهذه المضاعفات لا علاقة لها لا بالطبيب ولا بالمستشفى".
ولا يخفي أبو شرف أنه تبيّن ما نسبته 30 في المئة من حالات الخطأ سببها الطبيب، و"في هذه الحال، يُحاسب مئة في المئة، وذلك من خلال لومه أو توجيه إنذار له أو فصله عن النقابة". وبحسب اعتقاده، نادراً ما يكون الخطأ الطبي صادراً عن المستشفى، لأن "غالبية المستشفيات في لبنان تحترم سمعتها وتولي تنظيف معداتها وأجهزتها أهمية قصوى".
وبحسب الدكتور والنائب السابق إسماعيل سكرية، هناك نوعان من الأخطاء الطبية: خطأ مهني وخطأ أخلاقي، فـ"الأخطاء الطبية تنتج إما عن قلّة خبرة مهنية، وإما عن خطأ أخلاقي وتجاوز الطبيب معرفته"، معتبراً أن الخطأ الطبي يبدأ من غياب هيبة المسؤولية في كل ما يخصّ الشأن الصحي، وأن وزارة الصحة ونقابة الأطباء والمستشفيات ونوعية الدواء وتنوّع المدارس الطبية تتقاسم المسؤولية في حدوث الأخطاء الطبية.
الزميل لا يدان
وإذا كان "الخطأ الطبي" أصبح شائعاً في لبنان، فإن معظم الأطباء لا يعترفون بذلك رسمياً. وإذا أدين أي طبيب بسبب تشخيص خاطىء أو وصف علاج غير صالح أو إخضاع المريض لعملية لا يحتاجها، فإن هذه الإدانة لا تعدو كونها حديثاً بين طبيب ومريض قصده طالباً منه تصحيح خطأ ارتكبه زميله..
أما إذا اتخذ الكلام طابعاً رسمياً، فغالباً ما يتراجع الطبيب عن كلامه ليقول إنه لا يستطيع أن يجزم بأن خطأ طبياً قد حصل فعلاً، وذلك من منطلق تكاتف الأطباء في وجه أي مشكلة تطال الجسم الطبي، حتى ولو جاء ذلك على حساب المريض وصحته وسلامته، فالطبيب لا يدين زميله الطبيب، تلك هي القاعدة!
وإذا كان ابراهيم نموذجاً لضحايا الأخطاء الطبية، الذين لجأ ذووهم إلى القضاء للإحتكام اليه، فإن هناك الكثير ممن يقعون ضحايا لهذه الأخطاء الطبية، لكن لا يُبَلّغ عنها، وذلك لأسباب متنوّعة: جهل حقوق المريض، تجنّب طول أمد المحاكمة، أو لتجنب الوساطات والتدخلات التي تحصل بهدف "لفلفة" الأخـــطاء التي يرتكبها بعض الأطباء.
فالسيناريو، بنظـــر هؤلاء، معروف وسيتكرّر، وهـــو أن تؤلّف الـــوزارة لجنة تحقيق في الحادث، فيجتـــمع أعضاء اللجنة أكثر من مرّة ثم يعلنون النتائج التي ستؤكد أن ليس هناك خطأ طبي، ويُغلق ملف التحقيق بعد أن تُشرّح الجثة وتبقى لأيام دون أن تُدفن.
القانون والطبّ
الى ذلك، لا يغوص قانون الآداب الطبية في الحديث عن تفاصيل الأخطاء الطبية، بل يكتفي بإشارة عامة يتناول فيها نوعين هما: "الخطأ الناجم عن جهل فاضح (عدم المعرفة)، والإهمال المتعمّد وعدم القيام بالواجب بالسرعة اللازمة"، مما يفتح باب الإجتهاد واسعاً أمام الأطباء الذين ينبرون للدفاع عن التشخيص الذي يقومون به وعن أسلوب العلاج الذي يتّبعونه.
فهم لا يعترفون بأنهم ارتكبوا خطأ إذ أن هذا يعني، وفق النص القانوني، بأنهم إما جاهلون وإما مهملون.. لذا، فإن الحديث عن الخطأ غير وارد في قاموسهم الطبي، حيث يتم استبداله بعـــبارة "إختـــلاف في وجهات النظر" أو الإنتماء الى مـــدارس طبية مختلفة تفرض أكثر من تشخيص أو مـــعالجة للمرض عينه.
ويقتصر التطوّر الوحيد الذي شهده ملف الخطأ الطبي في لبنان على القانون الرقم 313، الصادر في 19 أبريل 2001، الذي أعاد التأكيد على لجنة التحقيقات المهنية التي تتولّى درس الأمور والنزاعات الناشئة بين الأطباء، أو بينهم وبين مرضاهم، المحالة عليها من النقيب، أو من مجلس النقابة، وعليها أن تجري التحقيقات اللازمة عند الإقتضاء.
وأن ترفع تقريرها إلى مجلس النقابة، وعليها أن تستشير عند الحاجة، وعلى سبيل الخبرة، الأطباء والأساتذة الجامعيّين والمستشار القانوني للنقابة. ويشير القانون عينه، في المادة التي تحمل عنوان "في التأديب"، إلى أنه "إذا خالف أيّ عضو من أعضاء النقابة، لبنانياً كان أم غير لبناني، واجبات مهنته، أو عرّض كرامته لما يمسّ شرفه أو استقامته أو كفاءته، تُطبّق بحقه إحدى العقوبات الآتية: التنبيه، اللوم، التوقيف المؤقّت عن العمل لمدة لا تتجاوز الستة أشهر، وصولاً إلى المنع النهائي عن ممارسة المهنة".
وتجدر الإشارة الى أن المشكلة في لبنان تتمثل في عدم إثارة هـــذا الموضوع على الملأ، فالمحاكمات سرية للمحافظة على سمعة الطبيب، والأحكام غير معلنة ولا يتجاوز عدد المطلعين عليها الأطـــباء أنفسهم، علماً أن أقصى حكم قـــد يصدر بحق الطبيب لا يتجاوز حرمانه حق ممارسة المهنة على الأراضي اللبنانية..
وبهذا المعنى، لا يزال لبنان يفتقر الى قــــانون محاسبة فعلي يردع الأطباء، وإن كانوا لا يرتكبون أخطاء عن قصد، ويشكّل حصانة لصحة المريض وحياته كما هو حاصل في الدول المتطورة حيث المحاكمات علنية، والأهم التعويض المادي الذي يدفعه الطبيب في حال ثبت أنه اقترف خطأ ما أياً كانت أسبابه ومهما بدت مضاعفاته تفصيلية. علماً أن القانون منح الأطباء حصانة، وعليه لا يمكن توقيف طبيب قبل العودة لنقابة الأطباء.
الكويت.. الأخطاء تؤرق المرضى و«الصحة» و 250 شكوى سنوياً
لا شك أن الأخطاء الطبية تشكل هاجساً كبيراً في جميع المجتمعات ومنها الكويتي، لما لها من آثار وخيمة تتعلق بصحة الإنسان وحياته، خاصة وأن نسب ارتكاب الأخطاء في ازدياد مستمر، مع فقدان التعويض الذي يتلاشى نتيجة غياب المسؤولية عنها، وتضيع بين التشخيص والعلاج الخطأ، أو الإجراء الخطأ وقت العلاج أو العملية، لاسيما المؤدي للوفاة منها!.
ورغم عدم وجود نسب حقيقية لتلك الأخطاء، إضافة الى عدم لجوء جميع المرضى الى التقاضي، إلا أن حجم الشكاوى التي تتلقاها وزارة الصحة الكويتية تقدر بنحو 250 شكوى سنوياً، يعكس مدى حجم الأخطاء التي باتت تثير الذعر، والتردد في الوقت نفسه قبل زيارة الطبيب، لتزيد معها النصائح باللجوء الى الخارج.
ويكشف رئيس اللجنة العليا للتأمين ضد أخطاء مهنة الطب دكتور خالد السهلاوي، أن وزارة الصحة تتلقى عشرات الشكاوى سنوياً نتيجة الأخطاء التي تطالب بالتعويض المادي، أو تحمل تكلفة العلاج بالخارج، والوزارة تعد باستمرار تقارير لتطوير عملها.
ومن ضمنها التعامل مع الأخطاء الطبية، وترفعها الى مجلس الوزراء لاتخاذ الإجراءات المناسبة خاصة، ما يتعلق منها بالتكلفة المادية، ووضعت الوزارة برنامجاً لمكافحة الأخطاء الطبية مثل «سلامة المرضى» الذي يسعى إلى ايجاد أنظمة تقوم على أساس قياسات علاجية للاهتمام بخطوات علاج المريض لتأمين سلامته .
وكان قرار مجلس الوزراء عام 1989 قد جعل التأمين ضد أخطاء المهن الطبية إجبارياً على جميع الأطباء، وأطباء الأسنان العاملين، وفوض القرار وزير الصحة لاتخاذ الإجراءات التنفيذية لتطبيق القرار.
ويؤكد نائب رئيس الجمعية الطبية ورئيس مركز البابطين للحروق وجراحة التجميل بمستشفى ابن سينا الدكتور أحمد الفضلي ان الأخطاء تبدأ من عملية تشخيص المرض وحتى تلقي العلاج، وعدم الاعتراف بالخطأ، الذي عادة ما يتعلق بالمرفق الصحي وسياسات العمل فيه، ويكفل القانون للمريض حق التقاضي وتشكيل لجنة لاستعراض ما إذا كان خطأ أو مضاعفات تحدث عند عدم الاستجابة للعلاج، كما ان المسؤولية عن الأخطاء تقع على الوزارة أولاً وأخيراً لأنها هي المعنية بالتعويض المادي للمتضرر.
ودعا الفضلي وزارة الصحة إلى تفعيل نظام متكامل لضمان سلامة المرضى حتى لا تحدث مخالفات شخصية أو مرفقية، مع عمل دراسات علمية بتمويل من الوزارة عن أخطاء الرعاية الصحية بالمستشفيات.
الأردن.. تقديرات بوقوع 1800 خطأ طبي سنوياً
لا يوجد تعريف واحد لمصطلح الأخطاء الطبية، وعلى الأغلب الخطأ الطبي يعني تعرض مريض لضرر أو وفاة جراء تقصير أو إهمال من قبل الطاقم العلاجي الطبي والمساعد أو قصور في الأداء والسلوك أو كنتيجة مباشرة لعدم قيام الطبيب باتباع قواعد السلامة والتصرفات المهنية المتعارف عليها أو نتيجة لإظهار الطبيب لنقص في المعرفة والمهارة أو لفشله في تقديم العناية والرعاية المتعارف عليهما واللتين كان بإمكان طبيب آخر تقديمهما لمساعدة المريض على الشفاء.
ويستند مجمل دفوع الأطباء في موضوع الأخطاء الطبية الى ان معظم ما يرى المواطنون انه خطأ طبي يكون مضاعفات لا يمكن توقعها.
وفي الأردن، أعلن مؤخراً عن قرب تأسيس جمعية للحماية من الأخطاء الطبية والتي تهدف لنشر الوعي والثقافة الصحية الضرورية لتجنب الأخطاء الطبية.
ويقدر الدكتور ياسين الهياجنة أستاذ الطب في جامعة العلوم والتكنولوجيا ان عدد الوفيات الناشئة عن اخطاء طبية في الأردن لا تقل عن 1800 سنوياً بافتراض ان مستوى النظام الصحي الأردني مشابه لمستوى النظام الصحي الأميركي.
وأشار إلى دراسة كان اشرف عليها في الجامعة اظهرت ان 89 بالمائة من الممرضين العاملين في المستشفيات يعتقدون بأن مشكلة الأخطاء الطبية شائعة في الأردن، وان 76يرون أنه تتم التغطية على الأخطاء الطبية عند حدوثها.
فيما كشفت نقابة الأطباء قبل ايام عن وجود 150 شكوى لديها كانت تلقتها من مواطنين على اطباء تتعلق بعضها بالأخطاء الطبية خلال العامين الماضيين.
ولكن لم يعتد المواطنون على الشكوى للنقابة اذا تعرضوا الى ما يعتقدون انه خطأ طبي، خاصة وأن اجراءات النقابة حيال هذا الموضوع معقدة وطويلة، كما ان ثقة المواطنين بها قليلة.
ويعرف نقيب الأطباء الأردنيين الدكتور أحمد العرموطي الخطأ الطبي بأنه كل اجراء طبي يرافقه اهمال أو تقصير نتج عنه ضرر مادي للمريض، مشيراً الى ان الخطأ الطبي يقع ضمن المسؤولية المدنية وليس الجزائية. وقال: ان حجم الشكاوى المقدمة للنقابة بشأن الأخطاء الطبية قليل جداً، مشيراً الى ان النقابة بتت خلال العام الحالي بـ(81) شكوى تتعلق بالأطباء من اصل (150) شكوى تلقتها خلال العامين الماضي والحالي.
ووفقاً للنقيب فقد قرر مجلس النقابة تحويل خمسة من الشكاوى التي تم البت بها الى مجالس تأديب بعد ان تطابق رأي لجان التحقيق مع رأي مجلس النقابة بخصوص تلك الشكاوى التي كانت لأسباب مختلفة، فيما تم حفظ 22 شكوى وان 54 شكوى معروضة على المجلس للحفظ.
ويتبنى وزير الصحة الأسبق زيد حمزة الرأي القائل: «لا يوجد في الأردن رقابة ومحاسبة وشفافية لدى وقوع الخطأ الطبي». وهو رغم ذلك يقول: «نحن لسنا بحاجة إلى قانون للمساءلة الطبية، لأن القوانين والتشريعات المعمول بها كافية وتغطي هذه القضية المهمة، ولكن المطلوب الرقابة والمحاسبة والشفافية»، مشيراً في الوقت ذاته ان القضاء الأردني ينظر بجدية الى هذا الملف.
