راح يتحسس الأشياء حوله بعدما كان يراها، لكنه غير عابئ بفقدان بصره، فالأشياء حوله زاد رونقها في مخيلته، وارتفعت قيمتها بإحساسه، بعد أن ضاع بصره فداءً للمعنى الأكبر الذي يضم الجميع تحت ظلاله، وهو "الوطن". هذا هو حال الكثير من الشباب المصريين الذين فقدوا أعينهم منذ قيام الثورة المصرية في الخامس والعشرين من يناير الماضي وما تبعها من أحداث إلى الآن، وكان أبرز هؤلاء الشباب الطبيب أحمد حرارة، الذي فقد عينيه كلتيهما، الأولى في 28 يناير (جمعة الغضب)، والثانية في 19 نوفمبر الماضي، وبخلاف حرارة هناك عشرات الشباب الذين فقدوا بصرهم وينتظرون من يتبرع لهم بقرنيته من أجل استعادة بصرهم مرة أخرى.
أليمة هي مصيبة فقدان البصر، وأشد إيلاما عندما يفشل الطب في علاجها، لذلك، وبحس إنساني رفيع، قامت بعض الحركات الشبابية من بينها حركة شباب 6 إبريل بإطلاق مبادرة مجتمعية تحت عنوان "عيون الكرامة"، من أجل حث جميع المصريين على كتابة وصية قانونية بأن تذهب "قرنية أعينهم" عقب وفاتهم إلى واحد من مصابي الثورة أو أي شخص آخر فقد بصره وبحاجة إلى قرنية شخص آخر ليعود إليه نور عينه.
وحول هذه المبادرة، يقول كريم فريد، أحد الشباب الذين أطلقوا المبادرة ويعملون على انتشارها في الشارع المصري: معاناة الشباب الذين فقدوا أعينهم في مصر هي التي دفعتنا إلى طرح هذه المبادرة، فبعض هؤلاء الشباب يمكنهم استعادة نظرهم مرة أخرى في حالة وجود قرنية صالحة، وباعتبار أن ذلك ليس متاحا لهم في الوقت الراهن، فكرنا، والكلام لكريم، في كتابة وصية يقوم بها أي فرد داخل المجتمع يوصي فيها بالتبرع بأعضائه، وبشكل خاص قرنية العين للشباب الذين تعرّضوا للإصابة خلال الثورة، وخلال أحداث شارع محمد محمود والتي فقد فيها عدد من الشباب أعينهم.
ويشير كريم إلى أنه بدأ بنفسه ومعه زملاؤه في تطبيق هذه المبادرة، حيث قاموا بعمل وصايا قانونية بنقل قرنية العين عقب وفاتهم إلى مصابي الثورة، تكريما لهؤلاء المناضلين، على ما بذلوه من أجل مصر. موضحا أنه يتمنى تجاوب قطاع كبير من المصريين مع هذه المبادرة، والتي يستند فيها الشباب إلى فتاوى عدد من علماء الدين بينهم الشيخ يوسف القرضاوي أباحوا فيها التبرع بالقرنية.
من جانبها، أشارت سارة الفلكي، عضوة بالمبادرة، أن "عيون الكرامة" هي بصيص أمل يمكن تقديمه لمن فقدوا عيونهم من أجل مصر ومن أجل الثورة، التي ما كانت لتنجح إلا بهؤلاء الذين بذلوا كل غالٍ من أجلها.
واللافت أن هذه المبادرة رغم حداثتها، إلا أنها وجدت رواجا وتأييدا بالشارع المصري، فانضم إليها الكثيرون، حتى من المواطنين العاديين، الذين آلمهم أن يفقد هؤلاء الشباب البصر وهم في سن صغيرة والمستقبل أمامهم وهم يتحسسون خطاهم فيه. تقول سهير محمد، واحدة من المواطنين المؤيدين لفكرة التبرع: إن البصر أغلى ما يملك الإنسان، وهو أغلى ما يمكن تقديمه للمصابين، كرد لـ"الجميل" وعرفانا بالفضل.
تابعت: "كلما رأيت صورة البطل أحمد حرارة وزملاءه الذين فقدوا إحدى عينيهم شعرت بالمرارة على هؤلاء الشباب الذين مازالوا في سن صغيرة، ولم أكن أدري كيف يكون تحديدا رد الجميل لهم، حتى وجدت هذه المبادرة، فقمت بكتابة وصية قانونية بالتبرع بقرنية العين بعد وفاتي".
من جانبها، أعلنت بثينة كامل، المرشحة المحتملة للانتخابات الرئاسية المقبلة، انضمامها إلى الحملة، واعتزامها كتابة وصيتها بنقل أعضائها للشباب المصابين عقب وفاتها.
