تربعت بريطانيا لسنوات طويلة على عرش أفضل المؤسسات العالمية في الخدمات الطبية، إلا أن الحال تغير في السنوات العشر الأخيرة، فلم تعد الأمور كما كانت عليه في السابق. فصندوق الشكاوى والموقع الالكتروني المخصص للشكاوى باتا لا يتسعان مطلقاً لمئات الآلاف من الشكاوى المقدمة. أما القضايا المقدمة للمحاكم فحدث ولا حرج فهي في ازدياد كبير.

وقد يفاجأ الزائر أو المريض الأجنبي باقتراح من بعض العناصر العاملة في المستشفى، الذهاب إلى دولة أخرى للعلاج، بدلاً من البقاء لتلقيه في مستشفيات بريطانيا. والسبب ضعف الخبرات، وعدم قدرتها على توفير عناية طبية متكاملة كما كانت في السابق.

والسنوات الثلاث الأخيرة، شهدت تسجيل حالات وفاة في مركز أو قسم الطوارئ، وقد التقطت كاميرات الرقابة المنتشرة في ردهات المستشفى دخول بعض المصابين وبقاءهم في صالة الانتظار، دون أي عناية أو اهتمام وهو أمر أدى لوفاتهم.

مثال آخر على الإهمال الطبي والتراجع في تقديم الخدمات الطبية، فقد طرح مركز التدقيق، والمسح الطبي المتخصص بدراسة حالات الخرف المبكر، وجود حالات إهمال عديدة وكبيرة في التعاطي مع مصابين بمرض الخرف المبكر أو «الدمنيشا» dementia، وهو يشكل حالة خطيرة. الشكاوى التي سجلها مركز التدقيق أظهرت وجود نقص في الكوادر الصحية، وقلة في الخبرات الطبية وعدم اكتراث من قبل الكوادر العاملة في المراكز الطبية أو المستشفيات.

قبل أيام اشتكت عائلة كودن من الطريقة التي عوملت بها والدتهم ماري كودن والتي فارقت الحياة بعد أيام قليلة، من دخولها المستشفى. وقد قالت سارا كودن ابنتها الكبرى إن والدتها كانت تتألم لساعات، ودخلت في غيبوبة لمدة خمس وأربعين دقيقة قبل أن يتدخل الطاقم الطبي، لكنها بعد يوم أو يومين فارقت الحياة وهو ما سبب ألماً كبيراً للعائلة.

وتضيف سارا كودن : لقد أخبرنا الطاقم الطبي أن والدتنا تعاني من الخرف، وأنها كانت تتوهم الألم والمرض. لقد كان هذا الأمر يبعث على الاشمئزاز.

الطبيبُ العربي الدكتور عصام عبد الصمد الذي يعمل في مستشفيات بريطانيا منذ أربعين عاماً، يلخصُ لنا الأسبابَ الحقيقيةَ لتدهور الخدمات الطبية على أساس أنها نتاج للتدهور العام الذي أصاب أغلب المؤسسات الطبية في بريطانيا. وأضاف تخيل أنهم يجعلونك تنتظر في سيارة الإسعاف لمدة ثلاث أو أربع ساعات، قبل أن يلتفت إليك أحد. أما قسم الطوارئ فهو الأسوأ وقد يصل بك الأمر ان تنتظر ساعتين أو أكثر قبل ان تتلقى المعالجة من قبل الفريق الطبي.

وليس هذا فحسب فأغلب الكوادر الطبية باتت تفتقر إلى الخيرة والسبب يعود إلى قلة الفترة الزمنية الممنوحة إلى الأطباء للتدريب، وعدم وجود مصادر مالية لإقامة ورش عمل، وبرامج تدريبية مستمرة، لرفع مستوى الأطباء، وذلك بسبب سياسات التقشف التي تنتهجها الحكومة البريطانية الحالية.

لقد شكلت السنوات الخمسُ الأخيرة، بحسب أحدثِ الإحصاءات، أكبرَ انتكاسة طبية في تاريخ بريطانيا؛

فلقد أظهرت تلك الإحصاءاتُ ارتفاعاً مخيفاً في أعداد الوفيات بسبب الإهمال ناهيك عن وجودِ وفيات سببُها التشخيصُ الخاطئ وقلةُ الخبرةِ الطبية، والنتيجةُ واحدة: مزيدٌ من الوفياتِ والتراجعِ في مستوى الأداء الطبي.