قضية التعليم في مصر قضية شائكة من كافة الجوانب، الطموحات والإمكانات، الإنسان والبنيان، المعلم والمتعلم، النواحي الإنسانية والفنية، الواقع والوقائع, الانتقال من التقليدي إلى التقني، المهنة ومشاكلها، المعلمون والكادر التعليمي، الرواتب والحوافز، التهرب والتسرب من المهنة، التلميذ والتلقين .
.التعليم ما قبل الثورة وبعدها، المرفوض والمفروض، الآني والمستقبلي. وزيران تقلدا المنصب في وزارة التربية والتعليم بعد الثورة، الأول احمد جمال الدين موسى، إبان رئاسة دكتور عصام شرف مجلس الوزراء، والثاني جمال العربي الذي يطلق عليه لقب الوزير المعلم، باعتباره أول معلم يجلس على كرسي الوزارة منذ 30 عاماً، حيث اختاره الدكتور كمال الجنزوري في تشكيلة حكومته الجديدة التي خلفت وزارة شرف.
الوزير الجديد بعد تسلمه المسؤولية: إصلاح العملية التعليمية رهاني للبقاء على كرسي التربية
التقينا الوزيرين الأول حكى عن تجربته والعقبات التي صادفته، والثاني تطرق لمغزى اختيار معلم وتحدث عن طموحاته. كلاهما لم يخف شيئاً فكانت الصراحة سمة الرجلين، ترى ماذا قال كل منهما؟ .
بداية آثرنا الحديث مع صاحب المنصب الجديد، حيث بدأ قائلاً: ان الرواتب وكرامة المعلم في مقدمة أولوياتي، و«الوزير المعلم».. جمال العربي، طوال حديثه الصريح أشار إلى أن الأزمات التي مر بها المعلم طوال السنوات الماضية، انحصرت في العديد من القضايا، لكنها لم تخرج عن إطار ذلك الملف المالي والإنساني، متعهدًا بحل مشاكل المعلمين في أسرع وقت، لدرايته بأعماق تلك المشكلات، وخبراته السياسية في التعامل مع الأزمات التي تواجه العملية التعليمية.وعن رؤيته للفترة المقبلة كأول وزير ينتمي إلى صفوف المعلمين قال:
في اعتقادي أن جلوس معلم على كرسي الوزارة، يعد إضافة جديدة لها واستردادًا لحقوق المعلمين، فنجاحي الشخصي هو نجاح للمعلمين، وإثبات أن لديهم القدرة الفعالة على تطوير منظومة التعليم، وأنهم عندما يستردون الوزارة ينجحون فيها.أما فيما يتعلق برؤيتي للمرحلة المقبلة فقد قمت بداية بوضع خطط عمل قصيرة المدى تستهدف الأشهر الستة المقبلة.
وأخرى طويلة المدى لحل المشكلات المزمنة. وأتوقع أن تشهد الفترة المقبلة قراءة متفحصة ودقيقة في كل الملفات المتعلقة بمناهج التعليم في مختلف المراحل، سواء من الناحية الإدارية أو التعليمية أو التشريعات التي تتعلق بالمناهج ، بالتزامن مع إعداد خريطة واضحة وشاملة لتطوير المناهج، بعد إزالة المعوقات التي تواجه المعلمين.وأوضح ما يمكنني قوله، إنني سأقوم بتصنيف المشكلات التي تصطدم بالمعلمين في مختلف المراحل التعليمية.
والعمل على إيجاد حلول موضوعية وجذرية لها. أيضا سينصب اهتمامي على إعادة المدرسة لمسارها الطبيعي والهدف الأسمى الذي أنشئت من أجله وهو التعليم، إلى جانب تفعيل المتابعات الميدانية على المدارس الحكومية لإعادة العلاقة بين الطالب والمعلم التي غابت على مدى السنوات الماضية، وسأسعى إلى نقل تجربة نجاح المدارس التجريبية إلى المدارس الحكومية.وبشأن الكيفية التي سيتعامل بها مع قضية الدروس الخصوصية قال إنها من الملفات الكبرى، التي تتطلب مزيدًا من العمل والجهد لحلها.
ومنع تأثيراتها السلبية، وذلك في رأيي يتطلب أولًا تعديلاً في ثقافات الأسرة، بالإضافة إلى إصلاح العملية التعليمية والأحوال المادية للمعلم، وأعتقد أننا قادرون على السير في المحورين بالتوازي.وقال إن المأساة الحقيقية للمعلم هي عدم تقديره ماديًا رغم دوره في تنشئة أجيال المستقبل، وإلى جانب ذلك التجاهل الذي عاشه دون السعي لتدريبه والعمل على رفع كفاءته، هدفي إعادة النظر في رواتب المعلمين وتدريبهم على مستوى عال.
وأشار إلى أن تعيين العمالة المؤقتة، أمر ليس باليسير؛ لأنه يتطلب صرف مستحقات ومبالغ مالية أخرى، وزيادة المستحقات والبدلات والمكافآت بما يضغط على ميزانية الدولة، ويكلف خزانة الوزارة، الكثير من المال والجهد المبذول في الإنفاق على الرواتب فقط دون الاهتمام بتطوير المدارس والعملية التعليمية.
وتطرق الوزير إلى تطوير المناهج التعليمية فقال بالفعل لديّ خطط عديدة، لكن سأهتم أولًا بالحفاظ على استقرار العام الدراسي، خاصة وأن عمر الحكومة قصير، وسنشكل لجاناً من شأنها إعداد مناهج تخاطب عقل التلاميذ أكثر من الحفظ، بالتزامن مع تعديل المناهج بما يتماشى مع الأساليب التعليمية الحديثة في الدول المتقدمة.
وقال أنا غير راضٍ بالمرة عن مسيرة التعليم، التي لمستها خلال رحلتي في مدارس الوزارة.. والتي جعلتني أضع يدي على جميع مشكلات التربية والتعليم وسأواصل حلها اعتمادا على جهود السابقين، فلن أبدأ من الصفر في أي عمل ولن أتجاهل من كانوا قبلي أبدًا وسأقوم بدراسة كل الجهود المبذولة وإذا كانت صالحة سنستكملها.
الوزير السابق عقب تركه المنصب: لم أكن الرجل المناسب للوزارة واحتجاجات «المعلمين» عرقلت إصلاحاتي
خلال الفترة التي قضاها الدكتور أحمد جمال الدين موسى وزيرا للتربية والتعليم في الحكومة المصرية السابقة، امتلك الكثير من المقومات والوسائل الكثيرة للنهوض بالتعليم، ولكن مشكلات المعلمين والاحتجاجات الفئوية وغيرها، وقفت في طريقه، وقللت من سرعته في تخطي الملفات المليئة بالكثير من المشكلات التي أطاحت به خارج الحكومة.عقب تركه كرسي الوزارة، سألناه عن التخوفات القائمة من أسلمة المناهج التعليمية والمدارس في ظل صعود التيار الإسلامي في مصر، والتغيير الذي طال المناهج التعليمية بعد الثورة خلال فترة توليه الوزارة .
وهل يشعر بالندم بعد خروجه ؟ قال إن التغيير هو سنة الحياة، وأنا شخصياً مدرك لأهمية التغيير، وإكمال المسيرة دون توقف، فالحياة متجددة ولا تقف على أحد، وكل إنسان يمتلك الفكر والموهبة الحقيقية والقليل من الخبرات والمعرفة ولديه طاقة إنسانية هائلة لخدمة الوطن والبشرية، فمن المؤكد سيخلق حالة جديدة، قادرة على صنع إنجازات هائلة، لذلك لم أندم على تركي الوزارة.
وعن تقييمه للفترة التي قضاها في الوزارة، قال أعتقد أنني الرجل غير المناسب ـــ إن صح الأمر ــــ في الحكم والتعليق على فترة ولايتي للوزارة، لكنني أجزم أنه كانت لدي أفكار متعددة لإصلاح العملية التعليمية، وكان بمقدورها أن تتحول إلى واقع ملموس في مصر.. لكن للأمانة يمكنني القول بأن الوزير الحالي جمال العربي قادر على عمل العديد من الإصلاحات سواء في العملية التعليمية.
أو فيما يتعلق بالارتقاء بأمور المعلم، لما يمتلكه من جوانب إيجابية وعلم ومعرفة ببواطن الأمور التي تصطدم بالمعلم محور ارتكاز تلك العملية. أما عن حكومة الدكتور شرف رئيس الوزراء السابق، فليس من حقي أيضًا تقييمها وخاصة بعد خروجي من الوزارة.
ولكن يكفيني القول بأنها عملت في ظروف عصيبة للغاية.وواصل حديثه قائلاً قبل خروجي، كنت أريد تحقيق الكثير في ملف المعلم، سواء من ناحية تدريبه أو تحسين أحواله المادية، وكنت أعتبره ملفا من أخصب القضايا التي تحتاج إلى رعاية وأولوية مستمرة مقارنة بالملفات الأخرى؛ وحول إمكانية حذف حقبة النظام السابق من المناهج .
وإضافة ثورة يناير وتداعياتها كبديل، أوضح أن حذف 30 سنة من تاريخ مصر هي فترة حكم النظام السابق من المناهج الدراسية أمر غير منطقي؛ لأنها حقبة تمثل جزءًا من تاريخ دولة بأكملها وقد تم إنجاز أشياء معقولة في فترة قصيرة للغاية منذ الثورة وحتى الآن، ربما لم يكن أحد أن يتخيلها، منها إعادة الدراسة في ظل ظروف صعبة عقب الثورة يناير، وإجراء امتحانات الثانوية العامة والدبلومات الفنية ومراحل النقل بطريقة جيدة، والتي تعد أفضل امتحانات تمت منذ خمس سنوات رغم الظروف الصعبة التي واجهناها، وهذا يؤكد أن «مصر لديها القوة والإرادة أن تفعل ذلك».
وعن كادر المعلمين في مصر وما تردد بأنه يمثل إهدارًا للمال العام أكد الدكتور جمال أن الكادر ليس إهداراً للمال العام؛ لأنه كلما زاد مرتب المعلم، ضمنا مستوًى تعليميًّا أفضل، خاصة أن هناك شكوى من تدني مستوى التعليم، فالكفاءة المهنية للمعلم لا ترفع مرة واحدة، وإنما لابد أن تكون لدى المعلم زيادة في المعرفة والخبرة.
وأثناء وجودي في الوزارة تم تشكيل لجنة لتعديل قانون الكادر للانتهاء من تعديل نصوص قانونه اللازم تعديلها بما يتناسب مع المعلم والنهوض به ماليًَّا وأدبيًّا ومهنيًّا؛ ومن المقرر عرض القانون على الدورة البرلمانية المقبلة؛ تمهيدًا لإقراره، بعد قيام الوزارة بمناقشته مع المعلمين بمختلف طوائفهم. وتطرق لمشكلات المعلمين المطالبين بتعديل المسمى الوظيفي فقال :
بالنسبة إلى مشكلات المعلمين المطالبين بتعديل «المسمى الوظيفي»، فهذه المشكلة ترجع إلى مسألة التعاقد مع المدرسين المؤقتين، ومنذ أن كنت وزيرًا للتعليم، في حكومة أحمد نظيف عام 2004، قلت لمجلس الوزراء، إن المعلمين لا يتم التعاقد معهم بطريقة شفافة، وهو ما تسبب في إحداث خلاف بيني وبين رئيس الوزراء حينها، حيث كنت أرى ضرورة تعيين المعلم بطريقة شفافة وأن يتم تعيين أصحاب الكفاءة فقط مباشرة كمعلمين،.

