العملية الدراسية في بريطانيا تتميز بقدرتها على تبنى أسس وقوالب تعليمية متجددة تحاكي التطور الذي يشهده العلم في كافة المجالات، والتغير يعد سمة من سمات تلك العملية، إذ إن المواد الدراسية ومناهجها تشهد تعديلات ممنهجة وفقا للمتطلبات العلمية والعملية.
الاختلاف في المنهج التعليمي يشكل كما أسلفنا سمة من سمات التطور العلمي، ويمكن القول إن منهجية التعليم تأخذ بعداً أكبر، فلا يتداول الطلاب الكتب المعروفة لكل سنة دراسية، بل إن الهيئات التعليمية اعتادت على تعميم الكتب، أي بمعنى آخر تتشارك مرحلتين أو ثلاث مراحل دراسية متقاربة بكتب وأطروحات، وهنا يتم تعميم المعلومة وإعطاء الفرصة للطلبة المتميزين على تجاوز مرحلتهم الحالية والحصول على المعلومة الإضافية المتقدمة في نفس السنة الدراسية، لذا فهم لا يحتاجون إلى الانتظار سنة دراسية أخرى للحصول عليها.
هذا الأسلوب قد يشكل إرباكا للقادمين الجدد في بريطانيا، فلا توجد كتب تكون بحوزة الطلاب إلى نهاية السنة، كما هو الأسلوب المعتاد في وطننا العربي، بل إن تعميم الكتب المنهجية يشكل بحد ذاته منطلقاً لمزيد من المعرفة، إذ يمكن للطالب أن يدرس مواد متقدمة في سنته الدراسية وبذلك يحصل على أكبر قدر من المعلومات.
مدرسة الن ويلكنسون غربي العاصمة لندن تشكل نموذجاً مثالياً، إذ إنها تعد واحدة من المدارس الجيدة والمتميزة، فلقد حافظت تلك المدرسة على مستواها العلمي وموقعها في ترتيب المدارس ذات الإنجاز العلمي المتفوق، فالوزرة تحرص على إصدار ترتيب سنوي يخض مستوى الإنجاز في المراحل النهائية لما بعد البكالوريا GCSE.
في مدرسة الن ويلكنسون يحصل التلاميذ على عدد محدود من أجهزة الحاسوب، فالرفاهية ليست متوافرة في أغلب المدارس إلا في حالات المدارس الخاصة، وهنا لا يعلمون الطلاب على الرفاهية، بل ان التعليم يهدف إلى ان يدرك التلميذ كيف يتعامل مع الأجهزة والوسائل التعليمية وان يحافظ عليها، وطبقا للمعلومات التي نشرت على مواقع تعليمية فإن توفر أجهزة الحاسوب في المدارس البريطانية يصل إلى أكثر من 75% بمعنى أن هناك جهاز كومبيوتر لكل ثلاث طلاب، وهي نسبة كبيرة.
البيانات أشارت إلى أن عدداً لا بأس به من المدارس، خصوصاً المدارس التي تعود إلى الكنيسة تعتمد على التبرعات المالية الشخصية في الحصول على أجهزتها العلمية.
توفير العدالة
وتشكل العدالة واحدة من أهم المفاهيم التي يتم اعتمادها بين التلاميذ في المدارس، وهنا يتم الأخذ بنظر الاعتبار الفوارق البيئية بين التلاميذ في المدرسة ولصف الواحد، ومن هنا ينطلق دور المدرسة في إذابة الفوارق الطبقية والعلمية.
والأسلوب الجديد في التعليم يحتم على المدرسة أن تتحمل مسؤولية التعليم كاملة ولا يطلب من الأطفال في المرحلة الابتدائية وحتى السنة السادسة القيام بأي واجب ولا يطلب منهم تقديم أي امتحان. كان في السابق امتحانين في المرحلة الابتدائية في السنة الثانية والسنة السادسة، حيث يتم تقديم هذان الامتحانان بشكل مفاجئ من دون إخبار الأهل بالموعد لتقليل الضغط النفسي على الأطفال.
ومع كل هذا فقد تم إلغاء هذه الامتحانات في سبيل رفع الضغط النفسي بشكل كامل. وبطبيعة الحال لا يوجد رسوب اذا كان لا يوجد امتحانات أصلا. وحتى ان كان مستوى الطفل متدنياً يتم نقله مع أقرانه إلى الصف الثاني ولكن مع إعطائه دروس وجها لوجه مع معلمة متخصصة.
أما بخصوص الطلبة فلا يشكو أحد في اغلب المراحل من تقليدية التعليم، لأنه في بريطانيا يشكل حالة متجددة ودايناميكية، ويقول ليفن كورنايل وهو مدرس لمادة العلوم في مدرسة سانت فينسنت الابتدائية في منطقة أكتون في لندن؛ إن التعليم لا يجب أن يتحدد في كتاب أو منهج واحد، ولكي يكون مرناً، فنحن لا نحمل التلميذ أي مسوؤليات اكبر منه، بل نحاول ان نجعل من التعليم وسيلة سهلة ونعطي للتلميذ حرية التفكير والحركة والمرونة بدلاً من جعله يفكر بالامتحان والرسوب، لأن الهدف هو التعلم.
احترام الحقوق
احترام حقوق الطفل يعتبر من المقدسات عندهم، وهذا سبب آخر من الأسباب التي جعلت الحكومة تلغي الواجبات المدرسية، فمن حق الطفل اللعب، وإذا تم تكليفه بواجبات مدرسية قد لا يجد الطفل الوقت الكافي لممارسة هذا الحق. كل هذه الأمور خلقت جواً ممتعاً في المدرسة لا يمله الأطفال، فلا أبالغ إن قلت إن الأطفال هنا يفضلون المدرسة أكثر من العطلة الصيفية مع أن مدتها لا تتجاوز الست أسابيع.
وهناك سبب آخر لإلغاء الامتحانات، وهو أن التركيز قائم على تطوير المهارات عند الطلبة، وليـــس تخزين المعلومات في أدمغتهم.
وهـــذا لا يقتصر على المدارس الابتدائية، فالاهتمام بتنمية المهارات واضح في كل المراحل، وحتى في التعليم الجامعي.
وبالطبع لا تزال الامتحانات موجودة في الجامعة، ولكن أقل بكثير من السابق، والدرجة المخصصة للامتحان أقل من الدرجة المخصصة للبحث أو لأعمال الكورس في التوزيع الكلي للدرجات. المهارات التي يتم التركيز عليها في المرحلة الابتدائية هي القراءة والحساب، والطريقة المتبعة هنا لتطوير القدرة على القراءة هي التشجيع على كثرة القراءة، ويعتمدون كثيراً على قصص الأطفال المتوافرة في السوق، فلا يوجد عندهم كتاب مدرسي.
