لم يكد الخبر يعم جميع الجزائريين بأن بلدهم حقق الاكتفاء الذاتي من القمح الصلب وصدر أول شحنات فائضة من الشعير، لأول مرة منذ أكثر من أربعين عاماً، حتى عادت وسائل الإعلام لتؤكد أن البلاد بحاجة إلى استيراد المزيد من مختلف أنواع الحبوب، لأن الإنتاج تراجع هذا العام.
كانت تصريحات المسؤولين وما نشر في الصحافة يوحي بأن الجزائر وفرت حاجة سكانها من الخبز، بعد تسجيل ارتفاع في المحاصيل الزراعية خاصة الحبوب عامين على التوالي، فقد حققت عام 2009 رقماً قياسياً يقارب السبعة ملايين طن من القمح والشعير والأعلاف مقابل أقل من ثلاثة ملايين عام 2000. وهو ما اعتبر طفرة كبيرة وواعدة تتبعها إنجازات أخرى تقلص فاتورة الواردات من الغذاء بما فيها الحليب واللحوم.
وقال محمد عليوي الأمين العام لاتحاد الفلاحين: إن تقديم الدعم من الدولة خاصة بشرائها كل إنتاج المزارعين من القمح بالسعر العالمي أدى لاتساع المساحات المزروعة بالحبوب وخلق فرص كبيرة لترقية هذا النوع من الزراعات بعد هجرته إلى أخرى مربحة.
وأكد أن البلاد بإمكانها إطعام سكانها دون اللجوء إلى الاستيراد في حال استمرار هذه السياسة بل ومن الممكن أن تصبح مصدّراً للمواد الزراعية الرئيسية ان تعززت الأراضي الصالحة باستصلاح مساحات أخرى مؤهلة لإنتاج القمح والشعير والبقول والأعلاف، في مناطق البور في السهوب والصحراء، تقدر بنصف المساحة المستغلة حالياً. قال الخبير عبد المالك سراي ان الثمانية ملايين هكتار المخصصة حالياً للإنتاج الفلاحي يمكن أن تلبي حاجة البلد على أن ينصب الاهتمام حول رفع إنتاجية الهكتار إلى طنين كحد أدنى.
وهذه النزعة ظهرت بوضوح في سياسات البلاد في السنوات الأخيرة، حيث يجري تشجيع الوحدات الزراعية الكبيرة وكذا المزارعين الصغار على رفع سقف إنتاجيتهم ومنهم من بلغ خمسة أطنان من القمح في الهكتار الواحد. وشكلت الدولة ما يسمى «نادي الخمسين» انضم إليه من بلغوا 50 قنطاراً في الهكتار ليكون قاعدة إنتاجهم الدائمة. وتبلغ الأراضي الزراعية في الجزائر نحو 4 بالمائة فقط من إجمالي مساحة البلاد ويمكن رفعها بحسب الأخصائيين إلى 6 بالمائة دون عناء كبير.
وقد كثر اللغط حول عودة الجزائر إلى السوق العالمية لتلبية حاجتها وارتفاع الفاتورة المخصصة لاستيراد الغذاء. وحاصر نواب البرلمان مؤخراً وزير الزراعة رشيد بن عيسى بعشرات الأسئلة حول هذا التناقض بين زيادة الإنتاج وزيادة الاستيراد خاصة بعد أخبار عن عقد صفقات مع بريطانيا وفرنسا لاستيراد القمح اللين. لكن المدير العام لديوان الحبوب نور الدين لكحل فسر الظاهرة بالقول «إن سبب ارتفاع الفاتورة، يعود بالأساس لارتفاع أسعار الحبوب في السوق العالمية».
وأكد أن مشتريات الجزائر من القمح مخصصة لتأمين الاحتياطي الاستراتيجي تحسباً لأزمات لكن المحصول عموماً يكفي. ولن تحتاج البلاد حتى وهي تحصي أكثر من 50 مليوناً عام 2020 إلى الاستيراد بشكل مستمر، كما كانت الحال في العقود السابقة.
وكشف أن فاتورة استيراد الحبوب هذا العام تصل إلى 2.2 مليار دولار، وأن إنتاج القمح الصلب والشعير يكفي وأكثر وهناك بعض النقص في القمح اللين، وقال «مهما يكن فإن حاجتنا للسوق الخارجية لا تتجاوز 20 بالمائة سنوياً بالنسبة لمجمل أنواع الحبوب».
ارتفاع الاستهلاك
وبمقابل الإنتاج الذي يزيد ببطء شديد ارتفع معدل الاستهلاك مرتين على ما كان عليه قبل 15 عاماً في مجمل المواد الغذائية وزادت فاتورة الاستيراد أكثر. وفضلاً عن الغذاء الرئيسي المكون عموماً من الحبوب والألبان، زاد استهلاك الجزائريين من اللحوم والبيض والزيوت والسكر وغيرها في السنوات الأخيرة بالنظر لتحسن عام في القدرة الشرائية ما زاد من الحاجة لتأمين تموين السوق باللجوء إلى الأسواق العالمية.
وتستورد البلاد نحو نصف حاجتها من الحليب في شكل مسحوق وكذا السكر، فيما بلغ استيراد زيوت المائدة أو المواد التي تصنع منها نحو 80 بالمائة من حاجة السكان. وبالنظر لانعدام استراتيجية لتنمية الثروة الحيوانية تستورد الجزائر اللحوم الحمراء من أميركا اللاتينية وأوروبا بكميات كبيرة خاصة عند حلول مناسبات مثل شهر رمضان الكريم والأعياد. ويرتفع سعر اللحم المحلي إلى ضعفي سعر اللحم الأجنبي.
وينفق الجزائريون ما يقارب نصف أجورهم على الغذاء والمواد الاستهلاكية المختلفة. ورغم هذه الزيادة في الاستهلاك فإن ترشيد الإنتاج في المواد الزراعية يحقق الثروة اللازمة لمواجهة زيادة الحاجة على حد تقدير الخبراء الاقتصاديين. الغائب الأكبر في الجزائر هو استراتيجية شاملة لنهضة القطاعات التي تنتج وتصنع مواد الاستهلاك لأن الظروف الطبيعية مواتية جداً لإقلاع قوي في هذا المجال. ويمكن مثلاً أن يؤدي مخطط جاد لثلاث سنوات فقط لتحقيق الاكتفاء في الحليب واللحوم وصناعة الجلود وتوفير عشرات الآلاف من فرص العمل لكن هذا المخطط الذي دعا له الخبراء ونواب البرلمان ظل حلماً بعيداً.
