جادت بخمسة من فلذات كبدها، ولم تبك، شيعتهم شهداء ولم تذرف دمعها، فتية كانوا للقوم أسيادا، وأشرافا تعلموا الفدا، ونالوا المجد في العلا. هي خنساء بُعثت من جديد، لا تبكي على أخيها أو ابنها، ولا تبكي على خمسة من أبنائها، فوجهها يشع فخراً، لأن أولادها شهداء من أجل الوطن فلسطين والقدس.

من هي هذه الخنساء؟ وأي سيدة تصبر على هذا المصاب الجلل؟ وتقوى على ذلك الظرف الخارق للعادة؟ إنها الحاجة فاطمة خليل «أم رضوان»، سيدة فلسطينية تقطن في رفح جنوب قطاع غزة. بيتها بسيط، استقبلتني رافعة رأسها مبتسمة، ورحبت بي ووجها يشع نورا وإيمانا، قوة وصلابة، رغم شدة الفاجعة.

 

حب لبلادها

بدأت حديثها قائلة: أنا فلسطينية وأعشق وطني والقدس، ولن أتردد في تقديم الغالي والنفيس لخدمة الوطن والدين. زوجي أبو رضوان توفي قبل29 عاما وترك لي سبعة أولاد وخمس بنات، خمسة من الأولاد استشهدوا، وهذا فضل من الله رب العالمين.

منذ أن فقدت ابني الأول وسهم المرارة الذي أصاب قلبي وكياني، جعلني حزينة، ولكن صبرت لأن الله اختاره، فكاذب من يقول لك إن الأم الفلسطينية لا تحزن على فراق أبنائها، فأنا حزينة، لكن كلي فخر وشموخ بهؤلاء الأبطال.

والحمد لله رب العالمين الذي أمدني بطاقة إيمانية عظيمة، كانت وراء صمودي وصبري وتحملي، ويأتي من الإيمان بالله والرسول وديننا الحنيف، والحمد لله أنا أفتخر بأولادي الأبطال، فهم فخر لكل فلسطيني وعربي مسلم.

الشهيد الأول من أبنائي هو الغالي أشرف، حيث كان في الخارج، وجاءنا النبأ أنه على الحدود السورية الإسرائيلية، وتحديدا في هضبة الجولان المحتلة، استشهد في اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، وذلك عام 1990.

أما الثاني فهو الشهيد شرف، وقد اعتقل في مصر، وبعد خروجه من السجن توجه إلي ليبيا عند أخيه محمد، وعندما ذهبت إليه لم أجده فسألت محمداً فقال لي انه ذهب إلى لبنان، حيث كان يتلقى تدريبات عسكرية مع المقاتلين الفلسطينيين، واستشهد بنيران الاحتلال في عرض البحر قرب مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في العام 1992.

أما الثالث فهو محمود، واستشهد في قصف جوي صهيوني غادر على منزلنا عام2004 حيث كانت الغارة تستهدف بالأساس ابني محمد ونجا منها، إلا أن محمود تلقى الضربة واستشهد.

أما الشهيد الرابع فهو ابني محمد، وعندما استشهد إخوانه قال لي إنني أريد أن أكون بجانبك في غزة، حيث كان موجودا في الخارج وممنوعاً من دخول غزة، خوفا من الاغتيال، لأنه كان مطلوبا واستشهد أخوه محمود، حيث كان الاحتلال يظن بأنه محمد.

وقد اعتقل محمد في مصر على الحدود مع رفح. ووجهت له تهمة التخطيط لاغتيال الرئيس مبارك وقلب نظام الحكم. وحكم 6 سنوات سجنا في مصر.

 

حث على الشهادة

وبعد أن وصل إلى غزة قلت له: أريد أن أفرح فيك وأزوجك، فرفض الزواج وقال لي: عندي هدف يا أمي. قلت له: لمن ستترك فلسطين، نريد شبابا يحررها. وأقنعته وزوجته، وأنجب بنتا وولدا، وفي يوم قال لي: يا أمي أنت راضية عني ومسامحاني؟ ابتسمت وقبلت رأسه، وهذا آخر لقاء لي معه، حيث استشهد في قصف جوي صهيوني استهدف سيارة كان يستقلها على طريق البحر غرب مدينة غزة عام 2005.

والشهيد الخامس هو ابني أحمد، الذي استشهد أيضا في قصف صهيوني جوي غادر على مركز تدريب عسكري خاص بسرايا القدس الذراع المسلحة لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وذلك في منطقة رفح في أكتوبر من العام الحالي. والحمد لله على فضله ونعمه.

 

وحقيقة، كنت أشعر بقرب استشهاده، خصوصا أنه يغيب عن البيت وعن زوجته وأولاده كثيرا، لأنه كان دوما يعشق الجهاد في سبيل الله وأعمال المقاومة، ومحاربة العدو الصهيوني، وقبل استشهاده بساعة ونصف الساعة، كنت جالسة معه، حيث قال لي: يا أمي، أنا طالع مشوار، وشعرت بشعور الأم أن شيئا ما سيحدث، وقرأت القرآن وتوجهت بالدعاء ليحفظه الله، لكن بعد فترة وجيزة جاءت الأنباء باستشهاده، فحمدت الله كثيرا، وكنت أمني نفسي بإلقاء نظرة الوداع عليه، لكن ابني رضوان أخبرني أنهم قطعوه إربا، ولا معالم واضحة منه، فحمدت الله على كل ذلك.

تبقى لي الآن ابنان هما رضوان وشريف، بالإضافة إلى أبناء أبنائي الشهداء، وأنا الآن مسؤولة عنهم، وواجب علي أن أرعاهم، وأهتم بأمورهم.

تربية

بعد كل هذه السنين لا يكفي أنني ربيت أولادي بعد رحيل زوجي منذ 30 عاما، فالواجب أن أقوم بالمهمة مع أحفادي لأنهم يتامى، فمن لهم غيري؟، لقد قمت بتربية كافة أبنائي، وقد تحملت الأعباء كاملة، صحيح أن قدرتي على التربية الآن صعبة بسبب كبر سني، لكنني أحب أحفادي وأولاد أولادي لأنهم من رائحة الغاليين، وعندي رضوان وشريف أطال الله في عمريهما.

 

فخر

وأنا فخورة بأبنائي لأنهم رجال، وأفتخر بهم أمام الجميع، فقد حملوا السلاح، ولا يوجد أفضل من الجهاد والكفاح في سبيل الله لطرد الاحتلال وتحرير المقدسات، والحمد لله ليس من أبنائي من مات وهو لص أو خائن.

وعن كيفية تدبير معيشتها هي وأسرتها الكبيرة، قالت: إن إيماني بالله هو الذي يصبرني على البلاء وقسوة الحياة، ووكالة الغوث تقدم لنا يد المساعدة، والحمد لله تكفينا وتجعلنا بعيدين عن مد أيادينا للناس، فنحن لا نتسول والحمد لله.

 

توصيف

ووصفت أم رضوان صفقة تبادل الأسرى بأنها مشرفة، لأنها أخرجت الكثير من المساجين الذين كان من الصعب خروجهم، حيث غابوا عن أهلهم كثيرا، ومنهم من له أبناء، ومنهم من لم يتزوج، ومنهم من هو مريض، أو كبير في السن. وأنا كأم لشهداء أشعر بألم أم الأسير التي تتوجع لفقدان أبنائها.

واختتمت حديثها قائلة: أدعو الله أن ألحق بأبنائي في الجنة، وأعاهدهم أن أكمل مشواري مع أحفادي الثلاثة عشر وهم أبناء الشهداء، وسوف أغرس فيهم حب الجهاد والاستشهاد وحب الله والوطن وأجعلهم يفتخرون بما قدم آباؤهم.