يتحوّل لبنان بين شهرَي أكتوبر وديسمبر من كل عام، إلى مصيدة للعصافير، مهدّداً أنواعا نادرة بالانقراض، وذلك على الرغم من إصدار قانون منع الصيد في العام 1995 والقانون رقم 580 الصادر عام 2004المنظّم لهواية الصيد البري، عدا عن الحملات التي يقودها الناشطون في المجال البيئي في كل موسم في مواجهة الصيادين، الهاوين منهم والمحترفين الذين يعدمون طرائدهم عشوائياً عن سابق معرفة أو جهل بالمخاطر. وتشير الإحصاءات إلى أنه نتيجة للعشوائية في استخدام السلاح وطريقة الصيد، فإن نحو 300 إصابة تقع سنوياً بين قتيل وجريح في صفوف الصيادين، ما يوجب إعطاء مأموري وحراس الإحراج الصلاحية الكافية لتطبيق القانون ومنع التعدّيات، وإضافة برامج توعية ودورات تدريبية لهواة الصيد، خصوصاً ان 16 نوعاً من الطيور من أصل 260 مهدّدة بالانقراض في لبنان والشرق الأوسط، ومنها طير البجع، بسبب ممارسة هؤلاء لهوايتهم في موسم التكاثر في الربيع، فضلاً عن أن 18% فقط منهم يمكنهم تمييز الطير النادر.
وتنسحب الأساليب الخاصة للصياد اللبناني، إن كان محترفاً أو هاوياً، على وسائل صيده، حيث يعمد بعضهم إلى صنع الخرطوش بنفسه في البيت بحسب الطريقة التي يرتاح للاصطياد بها وبقوة الخرطوشة. ولا تقتصر عدّة الصيد على البارودة والخرطوش، إنما تتعدّاها لتطال إكسسوارات وثياب ليست فقط للرجال بل للأولاد والفتيات. ولا يخفي الصياد مهدي شغفه الكبير بالصيد، وهو لا يتأخر باصطحاب ابنه وتعليمه هذه الهواية، من «باب تربيته على القوة»، على حد تعبيره، وعلى الرغم من معرفته الكاملة بمخاطر فعلته، إذ «من المفيد أن يتعلّم الصبي، منذ صغره، كيفيّة التعامل مع الطبيعة والأحراش والطقس البارد، وكذلك التركيز على الهدف بالإضافة إلى قوّته البدنيّة». وهو يقول من دون تردّد: «لا يمكن للدولة أن تمنعنا من الصيد، لكن يمكنها تنظيم هذا القطاع لنتمكن من ممارسته بطريقة آمنة نحن وأولادنا على حد سواء». بدوره، يرى صياد آخر أن تطبيق القانون سيعود على الصيادين المحترفين بالمنفعة، حيث «سيخاف شباب العاصمة من الصعود إلى الجبال، وسيتقلّص عدد الصيادين إلى النصف، وسنتمكّن من ممارسة هوايتنا باحتراف وجدية بعكس ما يحصل اليوم»، ويلفت إلى أن «الجبال والسهول تزدحم بالصيادين، والحوادث الخطيرة إلى ارتفاع بسبب عدم حرفية الكثير منهم»، والى أن «ليس هناك من بلد يصطاد فيه الناس كما في لبنان.. ففي كل صباح، يسيطر الهرج والمرج على الحقول، ولكثافة الصيد نترك الكثير من العصافير على الأرض».
بين التجار والصيادين
في الجانب الآخر، يبدو تجار أسلحة الصيد ومستلزماته المستفيدين الأوائل من هذا الوضع الكارثي. وهم، وإن كانوا لا يقفون عند نقطة تطبيق القانون على اعتبار أن ذلك لن يعيق عملهم وسيوسّع نشاطهم، فإنهم يحاولون استغلال الموسم وإنفاق بضاعتهم بأي ثمن.
وبحسب أحد تجار أسلحة الصيد، فإن هواية الصيد هي العنوان الأبرز للسياحة المدنية، وعليها يتكل كل من يملك متجراً أو فرناً أو فندقاً أو مطعماً في المناطق المستقطِبة للصياديين من كل المناطق اللبنانية.
وإزاء هذا الواقع، يحرص القانون الرقم 580 المقرّ منذ نحو سبع سنوات، والذي لم تنجز وزارة البيئة مراسيمه التطبيقية بعد، على المحافظة على الموارد الطبيعية والتوازن البيئي، منظّماً أوقات الصيد التي يحصر موسمها بالفترة الممتدة ما بين الخريف وبين الشتاء. وبموجب القانون نفسه، أنشئ «المجلس الأعلى للصيد البري» من ممثلي وزارات العدل والزراعة والداخلية والدفاع والمال والإدارات والنقابات المختصّة بتجارة أسلحة الصيد والإتحاد اللبناني للرماية. »نحن في لبنان نتسبّب بانقراض أهم أنواع الطيور، وخصوصاً النادرة منها»، بهذه الكلمات يختصر عضو المجلس الوطني للبحوث العلمية غسان جرادة، الذي شارك في وضع مسودّة القانون الرقم 580، حال الصيد في لبنان، مشيراً إلى أن القانون اللبناني يتناول الإرشادات والمعايير الأوروبية في موضوع الصيد السليم»، والى أن «لا إرادة سياسية بتطبيق قانون الصيد». من جهته، يصف رئيس جمعية «حماية الطبيعة في لبنان» رمزي السعيدي عمل «المجلس الأعلى للصيد البري» بـ»الجيد»، مشدّداً على أن هدف الهيئات البيئية ليس منع الصيد، إنما تنظيم هذه الهواية على أسس علمية وبيئية وحضارية تحمي الطرائد والطيور، كما البشر، من أخطار الصيد، وكذلك الموازاة بين شغف الصيادين والمصلحة الاقتصادية للمستفيدين من هذا القطاع، والأهم المحافظة على الطبيعة.
