في قلب عاصفة العولمة، وفي خضمّ المتغيرات العالمية وثورات الإنترنت المتسارعة جداً، يشهد لبنان، على غرار بلدان العالم العربي، صراع أجيال وثقافات ولغات.. هو شكل جديد للصراع بين الأجيال فرضته التقنية الحديثة، بين «جيل يبحث عن المعلومة في أي مكان، وجيل يخشى ما يجهله»، وفق رأي الشاعر سهيل مطر، نائب رئيس جامعة سيدة اللويزة لشؤون الثقافة والعلاقات العامة.
وهكذا، فإن الأبناء يشكون أن أحداً لا يسمعهم، لا يفهمهم ولا يفرد لهم مساحة كافية من الوقت. أما الآباء، فيتهمون أبناءهم بالسطحية والرفض المطلق لآراء الكبار دون الاهتمام بخبراتهم.. هو صراع تقليدي خلق فجوة تفاهم بين الأجيال. ومع انتشار التقنيات الحديثة ودخول الشباب عالم الإنترنت والهواتف المحمولة، والتي أسقطت كل الحواجز، أصبح الأمر أكثر تعقيداً. فهل ساهمت تلك التقنيات في اتساع الفجوة بين الأجيال؟
الأستاذ الجامعي أنطوان مسرّة، وانطلاقاً من كونه عالم اجتماع راقب المجتمع اللبناني عن كثب واستخلص بدقّة خصائص بنيته، يرى أنه، ولعقود مضت، كانت الأسرة اللبنانية تلعب دوراً أساسياً في تكوين مدارك الإنسان وثقافته، وتساهم في تشكيل منظومة القيم التي يتمسّك بها ويتخذها معالم تتحدّد من خلالها مقومات السلوك الاجتماعي، بما فيها علاقات الآباء بالأبناء. أما اليوم، فقد انتقل جزء كبير من هذا الدور إلى شبكات الإنترنت والهواتف النقالة والألعاب الإلكترونية، الأمر الذي فتح الباب أمام أنماط من التواصل الافتراضي الذي حلّ محل الحوار والمحادثة بين أفراد الأسرة الواحدة، مما ساهم في توسيع الفجوة وتكريس الصراع بين جيلَي الآباء والأبناء.
وتلك التحوّلات التكنولوجية، بحسب مسرّة، أفرزت تفاعلات جديدة للعلاقات على صعيد الأسرة أدّت إلى تعزيز العزلة والتنافر بين أفرادها، فما هو أثر الوسائط الجديدة للاتصال على تلاشي قيم التواصل الأسري وخصائص المجتمع التراحمي؟
ما هي السبل الكفيلة بتسهيل استعادة الأسرة لدورها الرئيسي في التربية والتوجيه؟ كيف يمكن الاستفادة من الجوانب الإيجابية لوسائل الاتصال الجديدة؟ في إطار رصد هذه التفاعلات بين التكنولوجيا الجديدة والإنسان ومتابعة أثرها على توسيع الفجوة بين جيلَي الآباء والأبناء، تنطلق الأخصائية في علم النفس الدكتورة عزيزة عبيد من طرح السؤال: هل الفجوة هي وليدة الكنولوجيا أم هي أمر سابق عن التكنولوجيا؟، لتؤكد أن «هذه الفجوة ليست وليدة هذا العصر فقط.
حكماً، فهناك دائماً صراع ما بين الأجيال»، ولتختصر المشهد اللبناني، في هذا السياق، بعبارة واحدة: «نشهد الآن مرحلة مصيرية تاريخية ما بيـن التمسّك مما اكتسبناه سابقاً من علم وتربية وثقافة ولغة الضاد، وما بين مواكبة التطوّر العلمي والحضاري. إنه صراع الأجيال والحضارات والثقافات واللغات، وأجيالنا الناشئة قد أصبحت في «بوز المدفع» بالمقدمة، تواجه مصيرها بيدها ولوحدها.. لا نستطيع اللحاق بهم، وبالتالي ليس لديهم وقت للعودة لنشأتهم أو حتى الالتفات إلينا».
صورة مثلى
«الإسلام رسم الصورة المثلى للأسرة وحدّد العلاقات بين أفرادها، فهناك حقوق للأبناء على آبائهم وهناك حقوق للآباء على أبنائهم، وهناك طبعاً بالمقابل واجبات لكل منهم»، يقول مفتي مدينة صيدا وأقضيتها (جنوب لبنان) الشيخ سليم سوسان، ويستذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راعٍ في بيته وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها»، ليشير إلى أن الأسرة «ليست عبارة عن مجموعة من الأفراد فحسب يعيشون تحت سقف واحد، وإنما يجب أن تكون هناك علاقات منظّمة تضمن سلامة هذه الأسرة وتماسك نسيجها الاجتماعي»، مشدداً على ضرورة «أن يعي الأبناء خصوصية مجتمعاتنا العربية وقيمنا وتقاليدنا وثقافتنا».
بدوره، يرى مطر أن ما يُسمّى اليوم بالحداثة ما هو إلا «ثمرة الصراع الخفي بين من يتمسّك بالتراث وبين من يطير في أجواء التكنولوجيا الحديثة»، ويعتبر أن الثورات العربية ليست بالتالي وليدة العدم، إنما هي «متنفّس الحرية، حرية أحلام الشباب، ومعركة الذات وتحدّي المستقبل بأساليب حديثة»، فـ«بالثورة على التقليد، يجسّد هؤلاء الشباب صراع الأجيال»، محذراً من أن تتحوّل الثورة الى محاولة إلغاء الآخر بقوله: «على الشباب أن يعي اليوم كيفية احترام وجهة نظر الآخر، أياً كان، في إطار التعدّدية والتحضير لأنظمة أكثر ديمقراطية».
