باتت الشواشي التونسية منافساً قوياً للعباءة والكندورة الخليجية، حيث انتشر وجودهما في أنحاء كثيرة من الوطن العربي. فالشواشي كذلك أصبحت تصدر هي الأخرى إلى أسواق الجزائر والمغرب والسودان ومالي والنيجر وتشاد وجيبوتي وبعض الدول العربية والأفريقية الأخرى، ويرتديها شيوخ الطرق الصوفية في تلك الدول إلى جانب عامة الناس، كما يقبل عليها أبناء القبائل العربية في مصر وخاصة قبائل أولاد علي وهم على الحدود مع ليبيا، وهناك رؤساء وزعماء معروفون بحبهم للشاشية ومن بينهم الجزائري عبد العزيز بوتفليقة والسنغالي عبد الله واد، وتصدر تونس 80 في المائة من «الشواشي» إلى عدد من الدول. ويوجد في مدينة تونس العتيقة سوق الشواشين الخاص بصانعي الشاشية وباعتها، ولها أمين مشرف على جودة الصناعة وإتقانها.
ويتميز اللباس التقليدي الرجالي في تونس بالشاشية وهي قلنسوة حمراء توضع على الرأس، وتمثل إلى جانب «الفرملة» والجبة و«السروال العربي»، أناقة الرجل المتشبث بجذوره وهويته، وعادة ما يعتمرها رجال الدين والشيوخ والأعيان والوجهاء والعرسان في المناطق الريفية والقروية في ليلة الحناء وكبار السن. وتسمى في أغلب المناطق التونسية بـ«الكبّوس» بما أنها تكبس الرأس، أما اسم الشاشية فيقول الباحث والمؤرخ والمحقق التونسي الراحل حسن حسني عبد الوهاب، انه يعود إلى بلاد الشاش وهو الاسم القديم لطشقند في أوزباكستان.
وتعود صناعة الشاشية إلى القرن الثاني للهجرة في مدينة القيروان عاصمة الإسلام في إفريقيا (تونس الحالية)، وأما عن شكلها الحالي الدائري، فقد استنبطه قيروانيون ارتحلوا إلى الأندلس وأقاموا فيها بداية من القرن الرابع الهجري وحاولوا أن يصنعوا شاشية تجمع بين مميزات الشاشية القيروانية و«البيريّة الباسكية»، وكانت النتيجة الشاشية الحالية ذات الشكل الدائري الأسطواني التي جاء بها الأندلسيون الذين غادروا الأندلس بعد سقوط غرناطة عام 1492.
وتصنع الشاشية من صوف الغنم، لأنه عازل للحرارة والبرد، كما أنها تمتص الماء بكيفية بطيئة، وتقاوم الانكماش، وتحافظ على رونقها وجمالها، وتجعلها سهلة التنظيف. وتمتاز باحتفاظها الدائم بشكلها ومظهرها، وهي غير قابلة للتجعد أو الانثناء. كما تتميز الشاشية بمقاومتها العالية للتمزق رغم طرواتها، وبملمسها الناعم، ولونها الأحمر القرمزيّ.
ويقول الباحث الجامعي التونسي حسام الدين شاشيّة، إن كلمة شاشية مشتقّة من «شاش» (اسم مدينة في خراسان) وأن الجنود الخراسانيين الذين شاركوا مع القائد الإسلامي عقبة بن نافع في فتح مدينة القيروان التونسية سنة 670 ميلادية أدخلوا صناعة الشاشية إلى القيروان فصارت تعرف باسم «الشاشية القيروانية».
وأوضّح أن «الموريسكيين» الأندلسيين لجؤوا بالآلاف إلى المغرب والجزائر وتونس واستوطنوها بعد سقوط غرناطة، وأحيوا صناعة الشاشية في تونس وسيطروا سيطرة مطلقة على سوق الشواشين في تونس في منتصف القرن الثامن عشر، وأن دراسات لغويّة أظهرت أن نحو 64 كلمة من المصطلحات التي يتم تداولها اليوم في صناعة الشاشية بتونس هي من أصل إسباني.
مراحل عدة للصناعة
وتخضع صناعة الشاشية إلى مراحل عدة منها عملية التلبيد في منطقة طبربة القريبة من العاصمة، ثم يتم توجيهها إلى تونسيين من جذور أندلسية لكربلتها بورق الكرضون، الذي ينتجه أقارب لهم من منطقة العالية بولاية بنزرت، ثم تنقل الشواشي إلى زغوان ليتم صبغها بمياه العيون الصتفية، ثم تعود من جديد إلى العاصمة لتعالج بورق الكرتون من جديد ولتوضع في القوالب.
والشاشية التي تعد أحد مكونات اللباس التقليدي تؤدي اليوم دوراً اقتصادياً واجتماعياً، باعتبار ما توفره من موارد رزق لشريحة مهمة من الحرفيين، إذ يعمل ما يزيد على 5000 حرفي وتنتج 50 طناً سنوياً يتم تصدير اغلبها.
وأشارت دراسة إلى أن الآلات المستعملة اليوم في مصنع البطان والمخصصة لدعك وتلبيد الشاشية يعود بعضها إلى سنة 1890 والبعض الآخر إلى 1919 أي أن عمرها يناهز القرن ومازالت تعمل إلى اليوم، لكن مردوديتها تراجعت بشكل كبير، إضافة إلى تآكلها وتعطّبها باستمرار، رغم صيانتها بصفة دورية، وقد كانت هذه الآلات تعمل في البداية بطاقة الرياح ثم بالطاقة المائية، ثم أصبحت الآن تعمل بمحرك كهربائي.
