على أسطح المباني السكنية وعلى جدران العمارات في كافة مدن وبلدات وقرى الجزائر تنتصب الملايين من صحون التقاط القنوات التلفزيونية الأجنبية، لسبب بسيط، يرتكز في أن الجزائريين لا يشاهدون تلفزيون بلدهم.

وحين تسأل الناس في أي مكان تجد معظمهم متابعا وفيا لبرامج القنوات الفرنسية والعربية على السواء، فيما يجهلون حتى أهم البرامج التي تبثها قنواتهم الأرضية والفضائية ولا يتابعون نشرات أخبارها وبرامجها.

يقول الصحافي بدر الدين احمد، أليس غريباً أن تبدأ مقدمة نشرة الأخبار الرئيسية في التلفزيون المحلي برسالة تعزية بعث بها رئيس الدولة إلى حاكم إفريقي مغمور في اليوم نفسه الذي اشتعل فيه الوضع بشكل غير مسبوق في بلدان محيطة «تونس ومصر وليبيا» وما يجري له تأثيره المباشر علينا، لذا لا اندهش عندما يطلق الجزائريون عموما على التلفزيون الرسمي اسم «اليتيمة».

ويرى البعض أن مسؤولي وسائل الإعلام الرسمية هم عناصر خلية يعتقد القائمون عليها أنها توجه الناس، وتصنع الرأي، لكن في الحقيقة أوجدت وضعا جعل الجميع ينفرون من القنوت الوطنية ما قوض مصداقيتها، وصار كل ما تقوله في نظر العامة كذبا فيما الصدق عند الغير. في المدة الأخيرة بدأ الحديث عن فتح القطاع السمعي البصري للاستثمار الخاص ويجري إعداد نصوص قانونية لذلك، لكن لا احد يؤمن أن زمن الحرية حل وأن من أراد أن يطلق قناة سوف يسمح له بذلك.

فكل شيء في الجزائر يمر على المصفاة الأمنية التي ترفض كل مالا يرتبط بمؤسسات «التوجيه العام». وستكون «شروق تي في» أول قناة تبث ضمن هذا المسعى، وتعود ملكيتها لجريدة «الشروق» الخاصة التي توصف بأنها مقربة من جهاز المخابرات.

 

رقيب ذاتي مفترس

بعد صدور دستور23 فبراير عام 1989 على وقع انتفاضة شعبية عارمة في أكتوبر 1988، تأسست صحف مستقلة كانت كلها «تعاونيات» لصحافيين انسحبوا من القطاع العام ووظفوا قيمة تعويض الانسحاب «أقرته الدولة وحددته بقيمة راتب عامين لكل واحد» في إطلاق صحف مستقلة لأول مرة منذ استقلال البلاد عام 1962.

وجاء تأسيس الصحف بداية لعملية تحول كبرى في قطاع الإعلام تماشيا مع التحول السياسي من النظام الشمولي إلى التعددية والمنافسة السياسية على الحكم. لكن المسار توقف، وأكثر من ذلك يعتقد مصطفى بوشاشي رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان أن «السلطات استغلت تدهور الوضع الأمني وتراجعت عن كثير من الخطوات الإيجابية المسجلة وفي مقدمة ذلك عودة احتكار الدولة الكلي للإعلام وإعلان القطاع السمعي البصري مغلقا. مع إبقاء كبريات المطابع تابعة الدولة. وصارت كل الصحف المستقلة خاضعة بصورة أو بأخرى لإرادة الإدارة والأمن. فالصحيفة التي تتجرأ على نشر ما لا يروق لتلك الجهات يحجب عنها الإعلان ومنها ما رفض طبعها في المطابع الحكومية. واختفت الكثير من الصحف جراء ذلك.

ويرى عمار بلهوشات مدير جريدة «الوطن» كبرى الصحف الصادرة بالفرنسية أن سلوك السلطة هذا «ربى جيلا من الصحافيين والمسؤولين على الصحف يمارس آليا الرقابة الذاتية، ولا ينشر ما يغضب الحكام مخافة السقوط في تهمة تعريض الأمن العام للخطر لان ذلك يكلفهم المصادرة أو تعليق الصدور أو منع الإعلان وحتى دخول السجن».

وقد تشوه بذلك مشروع الصحافة المستقلة وحرية التعبير وحل المواطن في الإعلام. وتنص المواد 41 و 42 و 43 من قانون الإعلام المعمول به حتى الآن على عقوبات بالسجن والغرامة ليس في حق الصحافي كاتب الموضوع محل التهمة، ولكن أيضاً مدير النشر لان القانون يعتبره مسؤولاً عما يكتب الصحافيون العاملون بجريدته».

ودفعت الحكومة مؤخرا بمشروع قانون إعلام جديد يناقشه البرلمان في دورته الحالية لكنه في كل الحالات لا يختلف عن سابقه إلا في بعض التفاصيل كونه أبقى على عقوبات ثقيلة على الصحف والصحافيين في حالة الإدانة بمخالفة فيما ينشر. كما أن الحكومة مصرة على استمرار احتكار الإشهار واستخدامه أداة ضغط لتطويع الصحف.